الحضور الواعي

الاثنين 2017/10/02

الحضور الواعي هو النضج التام في التعاطي مع الأمور الحياتية، والمزج بين مطالب القلب والمشاعر الإنسانيــة مع منطـق العقل الواعي، شديد الإدراك في آن واحد.

أن ندرك أن كل حواسنا ومكنوننا الذاتي لهما متطلبات يجب الوفاء بها وتلبيتها على أكمل وجه، وألا نضحي بشيء في مقابل آخر، فحياة البشر لا تقبل أسلوب المراهنات والمساومات، ولا تلك المفاوضات البغيضة التي تجري في مجال العمل حيث المادي والملموس.

الحضور الواعي، هذا ما وجدته الراحلة إيرما بومبيك الكاتبة الصحافية الأميركية الشهيرة، وتحدثت عنه حين سألت: ماذا لو عاد بك الزمن مرة أخرى؟، وهل كنت ستعيشين حياتك بنفس الطريقة؟، وتختارين نفس الاختيارات؟

فأجابت أنها غير نادمة على أي شيء فعلته، قبل أن تقول في ما يشبه الشكوى: ولكن لو عادت بي الحياة مرة أخرى لن أقضي شهور الحمل في الشكوى من متاعبه، وسأنتبه إلى أن الحمل معجزة إلهية وسأستمتع بأنني جزء من هذه المعجزة وأنني سبب خروج روح أخرى إلى العالم.

لن أغلق نوافذ سيارتي صيفا خوفا من أن يفسد الهواء تسريحة شعري، وسأدعو أصدقائي إلى بيتي أكثر وأستمتع بصحبتهم، برغم الأريكة المتسخة والسجادة الباهتة الألوان، وسأسمح لنفسي بالأكل في غرفة المعيشة، ولن أكترث بأنها قد تتسخ.

سأنصت أكثر لحكايا جدي عن طفولته وشبابه، سأستخدم تلك الشمعة الباهظة الثمن التي أهديت لي وفسدت بسبب التخزين، سأمرح مع أولادي على الحشائش بلا اكتراث بالبقع التي قد تلطخ ثيابي.

سأقلل دموعي وضحكاتي أمام التلفاز على حكايا لا تخصني، وسأحيا واقعي فقط.. بدموعه وضحكاته. سآوي إلى فراشي إذا شعرت بالإرهاق ولن أتوهم أو أدعي بأن العمل سيتضرر إن تغيبت يوما.

إذا ارتمى ابني في أحضاني لن أبعده لأنني مشغولة الآن، ولن أشتري أي شيء لمجرد أنه عملي أو يعمر طويلا، سأعبر أكثر عن مشاعري لمن أحبهم، وسأعتذر أكثر لمن أسأت إليهم، سأنصت أكثر لمن يحدثني.

لو أعطيت فرصة ثانية للحياة سأراها، سأحبها، سأجربها، سألمس كل لحظة فيها.

استوقفتني كلمات الكاتبة المخضرمة، وجعلتني أتساءل: هل نحن راضون عن حياتنا، مادمنا على طريق النجاح المهني أو الاجتماعي، هل لدينا الحضور الواعي لفهم الأولويات والقدرة على التفرقة بين المهم والأهم؟، هل ننفق عمرنا هباء؟، هل باختصار “نستمتع بحياتنا”؟.

نحتاج أن نتوقف ونراجع حياتنا ونقيمها. نعم، “الحضور الواعي” مصطلح نادر الاستخدام، ولكنه ورد هذه المرة على لسان امرأة تريد التصالح مع أنوثتها وأمومتها في الوقت الضائع، فبعد سنوات من العمر الراكض خلف الزمن، وتحديدا قرب الرحيل، أدركت أن المتعة الحقيقية تكمن في الحياة بحرية في كل شيء، وأن تكون الأمومة أهم أولويات المرأة، ممارسة فعل الحياة بكل متطلباته.

حتى التمرد اللذيذ بين الحين والآخر على قوانين البيت الصارمة، والترتيب الدقيق لقطع الأثاث، ووضع التحف والأنتيكات، وهدايا العائلة الثمينة التي قد يفسدها التخزين السيء أو طول فترة انتظار العطف عليها وإصدار الإذن باستعمالها والترفق بها من ذرات الغبار العالقة.

أظن أننا جميعا نحتاج إلى الترفق بمشاعرنا بدرجة أهم كثيرا من النجاح في العمل مع إنكار الذات، وأي ذات هذه التي قد تهنأ وتغترف من عسل السعادة في ظل نكرانها والضغط عليها طوال الوقت، الكثير من مشاعرنا نقتلها في زحمة الحياة طمعا في نجاح يرضي طموحاتنا الجارفة، تفاصيل إنسانية بسيطة ومشحونة بالوجع تسقط منا طوال الرحلة.

ليس بالضرورة أن تظل الأشياء في مكانها باستمرار، وأن تظل قطع الأثاث في مكانها طوال الوقت فهي بالطبع ليست شواهد قبور نزورها لنفض الغبار، الحياة تستحق أن نحياها ببعض الجنون والفرح، نمرح بطفولة بريئة، فليست هناك حياة خالية من الكدر والعثرات.

مع أهمية وضرورة النجاح في العمل إلا أنه لا يجب مطلقا أن يتحول إلى قيد يمنعنا من السعادة والاستمتاع، نطلق لمشاعرنا حريتها الكاملة في النمو والتمدد. نضحك دون أن نكترث بماذا سيصفنا الجيران.

كاتبة مصرية

21