الحظر السعودي للإخوان: وقف التمدد ومنع الأخونة

الاثنين 2015/04/20
سقوط الإخوان في مصر عجل بإعادة النظر في علاقة دول الخليج بهم وكشف خطرهم على المنطقة

دبي – اعتبار الدول الخليجية للإخوان المسلمين جماعة إرهابية يندرج في إطار تحصين المنطقة من الحركات العنفية الطائفية سنية كانت أو شيعية، وهو ما حدا بالسعودية لتحجيم دور الجماعة كعملية استباقية لوقف تمددها الفكري داخل النسيج المجتمعي ما يجعلها قادرة على حشد الموالين، وكذلك وقف عملية أخونة المؤسسات التعليمية والاجتماعية.

هذا الحراك العربي من خلال الثورة هنا والانقلاب هناك، والموقف الإخواني الداعم لهذا الحراك، دفع أصحاب القرار في المملكة العربية السعودية إلى إعادة النظر -بدقة- بشأن تحديد موقفها من الإخوان، كونهم يمثلون الثقل التبليغي في المملكة، إلى جانب وجودهم الكبير والفاعل في الجامعات والمراكز الاجتماعية والاقتصادية، مما رسخ عندهم فكرة أنّ الطموح الإخواني لا حدّ له، وأنّ بمقدور أحلام الجماعة أن تذهب بعيدا إلى حد العمل على إحداث تغييرات جذرية داخل أنظمة الحكم القائمة في كلّ من الرياض وأبو ظبي والكويت وغيرها، وهو ما خلق حالا عند القيادة السعودية بضرورة الالتفاف على الحراك الإسلامي داخل المملكة قبل تأصل الحركة في عمق وقلب النظام، مما سرّع -فيما يبدو- بصدور القرار القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين “تنظيما إرهابيا”، حاظرا عملها في أنحاء المملكة كافة.

أصدر الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز في 3 فبراير 2014 أمرا ملكيا جاء فيه “انطلاقا من مقاصد الشريعة، وتأسيسا على قواعد الشرع بوضع الضمانات اللازمة لحفظ كيان الدولة من كل متجاوز للمنهج الدستوري المستقّر عليه في المملكة العربية السعودية بما يمثّل نظامها العام، وانطلاقا من واجبنا نحو سدّ الذرائع المفضية لاستهداف منهجنا الشرعي وتآلف القلوب عليه من قبل المناهج الوافدة التي تتخطى البنى المجردة للأفكار والاجتهادات إلى ممارسات عملية تخلّ بالنظام، وتستهدف الأمن والاستقرار (…) وتلحق الضرر بمكانة المملكة عربيا وإسلاميا ودوليا (…) وعملا بقواعد المصالح المرسلة في فقهنا الشرعي”.

تصنيف الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية"، لأنهم الأب الشرعي لكل جماعات الإسلام السياسي المعادية لأوطانها

فالملك السعودي الراحل أصّل فقهيا واعتقاديا ضرورة إقصاء وتحريم العمل مع كل من يخالف النظام، وإن كان على مستوى التنظير. وعليه فإنّ صدور الأمر الملكي بصورته المعلن عنها كان صانعا لتاريخ جديد في المملكة السعودية وفي العالم العربي، بل العالم أجمع. وقد صدر البيان عن اللجنة التنفيذية التي تمثلها وزارة الداخلية السعودية بتاريخ 7 مارس 2014، لينهي محاولات التشويش التي اتبعها إخوان السعودية ومن في فلكهم.

وقد سمّى البيان عددا من الحركات والتنظيمات التي تشمل حركات الإسلام السياسي، وحركات العنف الديني بشقيها السني والشيعي. ومن أهمّ ما جاء في البيان: تصنيف الإخوان المسلمين “جماعة إرهابية”، لأنهم يمثلون الأب الشرعي لكل جماعات الإسلام السياسي المعادية لأوطانها.

جاء القرار السعودي بعد مسار من التأمل والتحليل دام قرابة ربع قرن، ووصل إلى ذروته في خضم أحداث الربيع العربي، الذي فتح أنظار النظام السعودي على خطورة المشروع الإخواني، ومن ورائه الجماعات الإرهابية على مشروع الدولة الوطنية في العالم العربي، وإلى أنّ طموح الإخوان الجارف إلى السلطة يبرّر لهم استعمال جميع الوسائل، بما في ذلك الانقلابات وسائر الطرق العنيفة، وأنّ تحركاتهم العسكرية في دول المنطقة، وخصوصا تلك التي تشكل طوقا جغرافيا بالنسبة إليها، ليست سوى تمرين في اتجاه استعادة الأراضي المقدسة في الحجاز، وإعادة إقامة الخلافة الإسلامية، التي كان سقوطها سنة 1924 مصدر ألم دفع حسن البنّا لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين. ومن هنا يبدو أنّ قرار التجريم مطلع عام 2014 كان لا بد منه لحماية المملكة -وفق نظر القائمين عليها- وفي خطوة استباقية لعدم تكرار تجربة الربيع العربي داخل الجهاز الملكي.

ما دفع –أيضا- المملكة السعودية إلى إصدار مثل هذا القرار وبهذا المستوى من التجريم بحق جماعة الإخوان عدّة أمور أهمها: عدم وجود سياسة خليجية موّحدة تجاه الإخوان، وبخاصة في ظلّ مساندة بعض دول الخليج وانحيازها لهم، واستقطابهم وتقديم أنواع الدعم المادي والمعنوي لهم، وهو ما اتجهت السعودية لحسمه عبر مواقف حازمة. كذلك تغلغلهم في مؤسسات الدولة، حسب الخطة التي اعتمدتها جماعة الإخوان المسلمين، وحسب تنظيرات العراقي محمد أحمد الراشد، وتسلمهم مناصب شديدة الأهمية والحساسية. إضافة إلى خبرتهم الطويلة في العمل السري الموالي لأجندة الجماعة الأم والتنظيمات المحلية، وبالتالي القدرة على الاستمرار والتخفي.

القرار السعودي جاء بعد مسار من التأمل دام قرابة ربع قرن، ووصل إلى ذروته في خضم أحداث الربيع العربي، الذي فتح أنظار النظام السعودي على خطورة المشروع الإخواني

إلى جانب سيطرتهم على موارد مالية ضخمة، سواء من خلال مؤسسات رسمية أو خيرية. وسيطرتهم مدّة طويلة على مؤسسات التعليم العالي، وبالتالي اعتقالهم لأفكار أجيال من المسؤولين الذين وإن لم ينتسبوا لهم علنا، فإنهم تخرجوا في مدرستهم، ومن ثمة اعتقال أفكارهم وتصوراتهم. كذلك سيطرتهم على التعليم العالي لعقود عطلوا فيها دور كل من خالفهم الرأي، وقدموا فيها رموزهم، وبالتالي فهم سجلوا حضورا فاعلا ولافتا داخل التجمعات العلمية والأكاديمية من خلال التمثيل الكبير في الجامعات.

ومن العوامل التي دفعت المملكة السعودية إلى أخذ موقف المقاطعة مع الإخوان المسلمين، هو اختلاف الأدوار في صياغة التوجهات السياسية الأميركية في المنطقة. فالإدارة الأميركية تعمل، من خلال سياستها الجديدة في المنطقة، على إشراك التيارات الإسلامية المعتدلة (حسب التعريف الأميركي للاعتدال) في الحكم وفقا للسيناريوهات القائمة في العالم العربي والإسلامي.

وقد اعتمد قرار حظر تلك الجماعات والتنظيمات على محاور رئيسة أولها يرتبط بالعملية الفكرية السياسية التي تخص المجتمع السعودي، حيث يتم حظر الانتماء بجميع أشكاله لأيّ جماعة أو منهج يتبنّى أفكارا سياسية أو أيديولوجية مغايرة لأفكار المجتمع السعودي، وذلك من أجل إعادة تشكيل ثقافة الانتماء الفكري وحصرها في الوطن والقواعد المنهجية الدينية الوسطية التي ينتمي إليها المجتمع السعودي.

المحور الثاني مرتبط بحظر الجماعات التي تتبنّى الأفكار الخاصة بالإسلام السياسي، واستغلال الدين في سبيل الوصول إلى مواقع سياسية يمكن من خلالها تضليل الاتجاه الفكري للمجتمع.

أما ثالث المحاور فمرتبط بحظر الجماعات التي تتبنّى العنف والإرهاب وتستخدمه في المؤسسات الحكومية والمجتمعية، واستغلال الأفراد، عبر التأثير الديني واستثارة عواطفهم، بتوظيف بعض النصوص بهدف تضليل المجتمع وأفراده.

يمكن القول أن المملكة بدأت تكشف بعض خيوط المؤامرات الخارجية والداخلية، وانكشف لها من يمسك بها ويحركها عن بعد، ومنها الموقف القطري الذي عمل على توظيف “الثورات” لصالح خطّه السياسي الموالي لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال الدعم الإعلامي والمادي لهذه الثورات، من مصر إلى تونس إلى اليمن وليبيا وسوريا، لترجيح كفتهم وإلغاء دور الخصوم السياسيين.

خلاصة من بحث فاطمة فرحات ‘السعودية من أزمة ثقة إلى تجريم الإخوان’، ضمن الكتاب 100 (أبريل 2015) ‘الفرص والتحديات في دول الخليج العربي’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13