"الحفل" لكلود شابرول فيلم البحث في سحر الشر الإنساني

شخصيات فيلم "الحفل" غريبة ضائعة ضالة، لكنها شديدة الجاذبية، تنغمس في الجريمة، بإرادتها لا رغما عنها، دون تبرير نفسي قوي، ودون تفسير مقنع للأبعاد والدوافع الاجتماعية.
الأحد 2019/04/21
العلاقة الغامضة بين الفتاتين تزيد الفيلم سحرا

في 2010 اختارت صحيفة “الغارديان” البريطانية فيلم “الحفل” للمخرج الفرنسي الكبير الراحل كلود شابرول (1930 - 2010) ضمن قائمتها لأفضل 25 فيلما من أفلام الإثارة والجريمة والتشويق.

ينتمي كلود شابرول إلى جيل الموجة الجديدة في السينما الفرنسية التي ظهرت في أواخر الخمسينات، بل ويمكن القول إن فيلم شابرول الأول كان في الحقيقة الإعلان الرسمي المباشر عن مولد تلك الحركة السينمائية التي أضافت الكثير، إلى التراث السينمائي العالمي.

كان شابرول مع غودار وتريفو، أحد نقاد مجلة «كراسات السينما» الفرنسية التي لعبت دورا كبيرا في عصرها الذهبي، أي في الخمسينات، في تطوير السينما الفرنسية. وقد تحول النقاد الثلاثة إلى الإخراج السينمائي، وبرزوا في ذلك المجال مع رابعهم المتميز جاك ريفيت. لكن شابرول ابتعد في أفلامه عن العامل السياسي بقدر ما اقترب من السيكولوجي، أي على النقيض من غودار. وعلى صعيد الأسلوب، اتخذ شابرول من الغموض والإثارة والتوتر، عناصر يطور من خلالها أسلوبه الخاص.

وفيلم «الحفل» (1995) مقتبس عن رواية للكاتبة الإنكليزية روث رنديل بعنوان “حساب صخري”. وتتفق الرواية في الكثير من أبعادها، مع سينما شابرول ونمط تفكيره، وقد وجدها هو بالتالي صالحة للتعديل بحيث يجعل أحداثها تدور في الريف الفرنسي بدلا من الريف الإنكليزي.

في “الحفل” (La Cérémonie) للمخرج الفرنسي كلود شابرول، الذي يسير على ذلك الدرب الذي اختاره لنفسه منذ أن بدأ الإخراج السينمائي عام 1958 مفتتحا مشواره السينمائي كمخرج بفيلم “سيرج الوسيم” الذي اعتبر أيضا البداية الحقيقية لحركة الموجة الجديدة. إنه مغرم بفحص موضوع “الشر الإنساني”.. فهو يرى أنه ليس من الممكن بالضرورة إخضاعه للتحليل النفسي ودراسة السلوك والدوافع وغير ذلك، بل هو شر كامن، له خططه الخاصة بل وسحره الخاص أيضا، والشرير في أفلامه يتمتع بجمال الوجه وحدّة الذكاء.. لكنه ذكاء مخفي وراء قناع سميك يحيط صاحبه بالغموض.

في الفيلم شخصيات غريبة ضائعة ضالة، ولكنها شديدة الجاذبية، تنغمس في الجريمة، بإرادتها لا رغما عنها، دون تبرير نفسي قوي، ودون تفسير مقنع للأبعاد والدوافع الاجتماعية. ومن خلال هذا الهيكل العام، يسوق شابرول أفكاره المتكررة، عن خواء البورجوازية الفرنسية وأنانيتها ومظاهرها الكاذبة التي تثير الاستفزاز، ويلمس موضوع التناقضات الطبقية دون أن يكون هدفه بالطبع هو بلوغ التحليل الطبقي، فهو أكثر اهتماما برصد الدوافع الخفية الغامضة داخل النفس البشرية. فما الذي يمكن أن يدفع فتاتين شديدتي الجاذبية والرقة والجمال، إلى القتل الوحشي بل وإلى الاستمتاع بالقتل أيضا؟

اللقاء الأول

كلود شابرول: مولع بفكرة غموض الشر
كلود شابرول: مولع بفكرة غموض الشر

يبدأ الفيلم بلقاء بين السيدة الحسناء كاثرين (جاكلين بيسيه) وفتاة تدعى صوفي (ساندرين بونير) في مقهى. السيدة تبحث عن خادمة أو مشرفة على تدبير شؤون منزلها الفخم الكبير في الريف الفرنسي. والفتاة تبحث عن عمل بعد أن هجرت منزل أسرتها وأصبحت تعيش تقريبا من دون مأوى. تعرض كاثرين على صوفي الحضور للعمل في منزل أسرتها في الريف الفرنسي وتخبرها أنه بوسعها أن تبدأ العمل على الفور إذا أرادت. كاثرين متزوجة من رجل ثري يعمل مديرا لإحدى الشركات في البلدة المجاورة، ولديها منه ابن، ولكن ابنته من زوجة سابقة تقيم معهم  وهي فتاة جميلة تدعى ميليندا بلغت العشرين ربيعا.

تذهب كاثرين إلى محطة القطارات في البلدة لاستقبال صوفي لكنها لا تراها، وعندما يختفي القطار من الصورة، تراها واقفة تتطلع إليها من على الرصيف المقابل. وطريقة تكوين المشهد من خلال أحجام اللقطات وزوايا الكاميرا تشي أولا بالغموض الذي يكتنف صوفي وتصرفاتها الغريبة (تقول إنها وصلت في القطار السابق) وثانيا يظهر المشهد أن صوفي تملك القدرة على التحكم في مخدومتها الجديدة والتلاعب بها.

تبدأ صوفي العمل في صمت، وتثبت منذ اليوم الأول حصافتها ومهارتها وإخلاصها إلى درجة تجعل أفراد الأسرة جميعا يشعرون بالسعادة، فقد عثروا أخيرا على ضالتهم في تلك الخادمة المخلصة التي تجيد الطهي أيضا وتصنع أطباقا لذيذة. والأسرة تنفق وقتا طويلا على مائدة الطعام، حيث يتذوق الجميع مختلف الأطعمة ويتجاذبون الحديث حولها أيضا حسب التقاليد الراسخة للبورجوازية الفرنسية.

وأثناء ذهاب الأسرة لقضاء عطلة قصيرة، تتعرف صوفي في البلدة على فتاة أخرى هي جين، وهي موظفة في مكتب البريد. وجين على النقيض من صوفي الكتومة المنطوية، فهي متفتحة تميل للمرح والضحك والعبث. تنجذب إليها صوفي كما لو كانت قد عثرت فيها على النصف الآخر الذي يكمل شخصيتها.

وراء القناع الظاهري الذي ترتديه كل من الفتاتين تكمن في الحقيقة أشياء وحقائق أخرى خطيرة. ففي إحدى الأمسيات التي تقضيها الاثنتان معا، تعترف كل منهما للأخرى بالحقيقة، بالماضي، فصوفي تقول إنها حقا قتلت والدها وهربت من البيت ولم تكتشف الشرطة فعلتها لأنها دبرتها بحيث تبدو من تدبير القضاء والقدر، أما جين فقد قتلت ابنتها التي كانت في الرابعة من عمرها لأسباب غير معروفة فقد ركلتها بجوار الموقد فاحترقت، لكنها لا تبدو حزينة أو نادمة بل تتعامل مع الأمر بنوع من اللهو والمرح، إلى درجة أنها تتمكن من إخراج صوفي الانطوائية من صمتها وحزنها الخفي.

تساؤلات دون إجابات

هل الفتاتان مختلتان عقليا؟ أو قاتلتان بالفطرة (حسب تعبير المخرج الأميركي أوليفر ستون) أم أن الظروف الاجتماعية السيئة قادتهما إلى ارتكاب ما ارتكبتاه، أم تحت القشرة السطحية العادية يكمن انحراف نفسي خطير؟ هل هناك علاقة مثلية ما تنشأ بينهما وتجمع بينهما في الفراش. إننا نراهما في أكثر من مشهد يلتصقان ببعضهما البعض، أو يتبادلان القبلات. لكننا لا نستطيع أن نجزم بوجود علاقة شاذة بينهما.

كلود شابرول يتعمد ألا يجيب عن مثل هذه التساؤلات بل ولا يبدو أنه مهتم بالإجابة عنها، بقدر ما يرغب في أن يوحي لنا باحتمال وجود كل هذه الأشياء مجتمعة، فهو مولع -كما أشرنا- بفكرة غموض الشر.

مع عودة الأسرة واكتشاف الزوج/ الأب علاقة صوفي بجين يثور ويغضب، فهو لا يشعر بالراحة تجاه جين بعد أن رأيناه يذهب إلى مكتب البريد الذي تعمل فيه ذات مرة ويتهمها صراحة بفتح الخطابات التي ترسل إليه والاطلاع على فحواها، لكن الفتاة تتحداه أن يثبت ذلك بل وتتفوه بكلمات غير لائقة عن زوجته التي تتهمها بأنها كانت عارضة أزياء منحلة في باريس قبل أن يتزوجها.

تصدر تعليمات لصوفي بعدم السماح لجين بأن تأتي إلى منزل الأسرة. ويرغب الرجل في طرد صوفي لكن زوجته تصرّ على بقائها وتدافع عن مستوى ما تقدمه من خدمات للأسرة.

في حجرتها التي تأوي إليها بمفردها تجلس صوفي ساعات تشاهد التلفزيون، ثم تقتل الوقت بالتنصت على المكالمات الهاتفية فتعرف أن ابنة الأسرة ميليندا حملت من الشاب الذي ترتبط بعلاقة معه والذي يستعد لخطبتها. وهي تحادثه هاتفيا وتخبره بأنها تخشى من اطلاع والدها على الأمر.

Thumbnail

وذات صباح تخرج الزوجة وولداها ويذهب الزوج إلى عمله لكنه يحتاج إلى ملف من بين أوراقه فيتصل هاتفيا بالخادمة ويقول إنه سيرسل إليها من يأخذ الملف من على مكتبه، لكن صوفي تغلق على نفسها حجرتها، وتمتنع عن الاستجابة إلى الرجل الذي يطرق الباب بلا جدوى. لقد أخفت شيئا مهما عن الأسرة طوال الوقت، وكذلك عن صديقتها جين، وهي نقطة ضعفها الكبيرة التي تخشاها: إنها لا تستطيع القراءة والكتابة، فهي أمية تماما. وبينما يعرف المتفرج من البداية هذه الحقيقة، تبقى المعلومة إلى حين اقتراب النهاية خافية على شخصيات الفيلم، وعندما تُكتشف تكون مقدمة للنهاية.

تدّعي صوفي أولا أنها ضعيفة النظر فتطلب منها الأسرة استشارة طبيب الأسرة ويمنحونها بعض المال لدفع التكاليف، لكنها تنفق المال مع صديقتها وتضرب عرض الحائط بالأمر. وميليندا هي التي تكتشف أمرها عندما تصرّ على أن تقرأ لها صوفي شيئا، هنا لا تجد صوفي إلا تهديد ميليندا بإفشاء سرها، أي كونها حاملا، إلى أسرتها، إن هي تجرأت وكشفت حقيقة كونها أمية لا تقرأ ولا تكتب. وفي لقائها مع جين، تروي لها صوفي ما حدث ورغبة رب المنزل في طردها، وتتسلل الفتاتان إلى داخل المنزل في الليل بينما الأسرة مجتمعة حول جهاز التلفزيون لمشاهدة أحد العروض الأوبرالية المفضلة لديها. وفي المطبخ ينفلت الشر من عقاله، يصنعان القهوة ثم يصعدان إلى غرف النوم يمزقان الفراش الوثير ويصبان القهوة على الوسائد ويحطمان المرايا الثمينة، ثم تجد الفتاتان طريقهما إلى أسلحة الأسرة النارية، وتكون المذبحة في قاعة الجلوس، يقتلان أفراد الأسرة جميعا، وهما تضحكان في هستيرية.   

تبقى صوفي في المنزل بينما تخرج جين تقود سيارتها بعد وعد باللقاء في اليوم التالي لكنها تصطدم بسيارة أخرى وتقضي نحبها. وينتهي هذا الفيلم الغريب ذو الطابع الغامض غموض معظم أفلام شابرول. الحفل هو حفل الإعدام، والأسلحة المستخدمة في القتل هي نفس الأسلحة التي تستخدمها الأسرة البورجوازية في قتل الحيوانات أو اصطيادها. تبدو جين موظفة البريد هنا، مدفوعة بالحقد والغيرة من الأسرة الثرية التي تتمتع بكل ما حرمت هي منه، وأن تراكم الحقد الطبقي هو الذي يدفع بها إلى الجريمة.

النهاية الدامية

وعن نهاية الفيلم يشير شابرول في حديث معه، إلى أنها تعبر عما يخشى منه أكثر مما تعبر عما هو متوقع أي منطقي. فالمشاهدون يتعاطفون مع الفتاتين من خلال أسلوب السرد وطريقته في تقديم الشخصيات، ويأملون أن تنتهي الدراما المشوقة نهاية سعيدة كأن تصحو الفتاتان من حلم مثلا. لكن الفيلم ينتهي بالقتل ليس لأنهما يشعران بأن أسرة لوليفر تستحق القتل بحكم سلوك أفرادها، فهو لا يحيط سلوك أفراد الأسرة بأي تصرف غير معتاد أو غير أخلاقي مثلا فهي تبدو معقولة في تصرفاتها وسلوكيات أفرادها، بل وتتمتع أيضا بحس فني رفيع، فهي تهتم بمتابعة عروض الأوبرا، لكنها تستحق القتل بحكم ما تملكه بينما الفتاتان تحرمان منه!

إنها محاكمة سينمائية على طريقة شابرول، تنتهي بالعقاب الصارم الدامي فالبورجوازية الفرنسية تستحق في النهاية الإعدام، ليس بسبب ما ترتكبه من شرور، أي استغلال الآخرين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، بل بسبب ما تنطوي عليه من أنانية غير مباشرة، لها انعكاسات خطيرة على المجتمع.

رسالة الفيلم غريبة بعض الشيء. وشابرول في أفلامه السابقة كان يسعى أكثر من سعيه في هذا الفيلم إلى التعامل على مستوى أعمق مع الأبعاد النفسية وتجسيد الشر بشكل أكثر وضوحا ومباشرة. لكنه يبدو هنا أكثر انبهارا بما يكمن في الرواية من غموض بشأن دوافع الشخصيات، منجذبا إلى سحر الشخصيتين الرئيسيتين. ولذا فهو يولي عناية خاصة إلى الدورين اللذين أسندهما إلى اثنتين من أكثر الممثلات مقدرة في السينما الفرنسية: ساندرين بونير (صوفي) وإيزابيل أوبير (جين)، بالإضافة بالطبع إلى الممثلة البريطانية- الفرنسية جاكلين بيسيه في دور كاثرين.

أما عن عنوان الفيلم أي “الحفل” فيقول شابرول إنه استمده من الكلمة الفرنسية التي تشير إلى طقوس الإعدام بالمقصلة، وهي كلمة كان الفرنسيون يستخدمونها عند الإشارة إلى تلك الطقوس.. أي إلى الشخص الذي ينتظر تنفيذ الإعدام تحت سن “المقصلة”.

15