الحقائب كالبلدان لا تتشابه إلا في حالتي الخوف والحزن

ربما يكون عصيّا على الشاعر أن يكتب رواية، أو أن يوثق حدثا لم ينته بعد، ومازالت عناصره تتراكم بشكل لحظي دون أيّ تخمّر أو أيّ نهاية، وناره لا تخمد، حتى نستطيع أن ننقب عن أيّ أثر لأشياء بقيت كشاهد عما حدث وسط الرماد. في هذا الإطار نستطيع أن نضع الكتاب الجديد للشاعر السوري محمد المطرود “اسمه أحمد وظله النار”، الصادر عن “دار النهضة العربية”، ضمن الأعمال التي تعكس المشهد السوري عبر خصائصها الفنية، وذلك إجابة على تساؤل يثار لدينا عند قراءتنا لأيّ كتاب يتناول هذا المشهد بعيدا عن الإغراق في الذاتية والمباشرة.
الخميس 2015/06/11
النصوص جاءت أيضا من حيث الشكل والمضمون نصوصا مفتوحة تعصف بها الأسئلة الوجودية

هكذا هي الحال مع الشاعر والناقد السوري محمد المطرود في كتابه الأخير “اسمه أحمد وظله النار”، وهو كما أشار غلافه، عبارة عن “نصوص”.

حاولت قدر استطاعتها تخطي الحدث الآني. وإذا اعتبرنا أن الوجع السوري مازال جرحا مفتوحا، بإمكاننا القول إن نصوص المطرود جاءت أيضا من حيث الشكل والمضمون نصوصا مفتوحة، تعصف بها الأسئلة الوجودية، الخاصة بـ(الوطن/ المنفى، المنفى/ الوطن) وكل هذه الأسئلة التي يتخللها استحضار للماضي البعيد، في محاولة لاستعادة الجذور، الأب، الأم التي ماتت مبكرا.

“أمي الميتة في السابعة والعشرين من عمرها، تتنكر بزي العجائز وتزورني في الأحلام لإخافتي، هي ليست الأحلام على ما يبدو، أمي تركت في المكان ما يدل عليها: بعض شعرها، بعضا من لباسها وأساورها، وحتى فردة حذاء، أمي تقول «ينتعلون الأحذية على عكس ما يشيع بأنهم حفاة ومخيفون ويشبهون الظلمة»”.

كتب محمد المطرود نصوصه بألمانيا، في عام 2013، بعد أن هاجر إليها بسبب الظروف التي آلت إليها بلده سوريا. حيث أتت هذه النصوص كشاهد حيّ على معنى أن يقتلع الإنسان من المكان الذي ولد فيه، ولكي يبقى المنفى منفى، لا تعريف له غير ذلك.

“اسمي أحمد، وتنحدر سلالتي من معدن نقي، ربما الذهب، والذهب يمتحن النار، وربما من شبه معدن سائل، سائب، أو من الماء نفسه وهو ما يفسر اللين والطواعية، شكلي يأخذ شكل المكان الجديد ولغته، ولغتي تلمع وتختفي، لا مكان محددا لها وهي أوهن من وجع يحيط بي كالإسوارة، لا فائدة من لغة لا تتحدث بها، يدك التي تلوح بها والإشارات التي ترفع عنك قليلا أغنى من عناء ستبذله ليفهمك عالم آخر، أكثر ما يفعله لك، يسميك: «لاجئ»”.

الوجع السوري

كلّما قلّبت صفحة من الكتاب، يزداد الوجع السوري وضوحا، وتتناثر شظايا التفاصيل، ويدرك القارئ أن هذا الاجتثاث للماضي الشخصي ما هو إلا مشهد صغير من الحاضر في الذاكرة الجمعية، داخل ذاكرة الفرد.

الشاعر ينقل الوجع السوري عبر كتابة نصوص مفتوحة دون الوقوع في سرد حكائي نمطي مباشر

والوجع السوري يتأرجح، وكأنه خيط يصل بين صورة عتيقة بالأبيض والأسود هي الماضي، وبين حاضر يصفه الكاتب في نص بعنوان “من زاوية الأجنبي” «سأقول مطعونا بالغيم المستقر/ اللابث: لا قيمة للشمس عند السوري، إنما يثمنها راعي إبل الله في برية الثورات، الآدمي، الأكثر جبروتا، وتكبرا على جرحه وعلى من يفتك به ابتداء من الدكتاتور وانتهاء بالحديد العسكري والبوط، بعد هذا الشجن المبرر مثل نص مقدس (…)».

وفي ذات النص سيتابع الكاتب في إشارته للحدث السوري، عمّا جرى ابتداء من خروجه، وعن أسباب خروجه من وطنه «هنا وخروجي يشهد عليّ، صامتا بلا تأوهات أو نحنحات أو أواه طويلة خرجت من عنق زجاجة “المخابرات” لألج زجاجة أخرى واسعة، شاسعة القتامة في دهليز ذاتي. موحش أن تحنّ لسجانك في هجمة الحنين المباغتة، والأكثر تتسقط أخبار الأهل من بعيد، بحسرة معلبة كجمرة في صدر، تتصيّد تماما الخبر الغائم كأجنبي يمتلك حدّا من الأخلاق (…)».

مأزق المنفى

مأزق المنفى وشبح الوطن

الكتاب الذي انفتح في البداية على مأزق المنفى وشبح الوطن، والحنين الذي عرّاه الكاتب بين هذه الثنائية، يخمد لوهلة، لنقرأ تباعا نصوصا متنوعة في مضمونها وشكلها، كأن نقرأ نصا يتخذ فيه الكاتب الطبيعة أرضا للترميز، وتحديدا “الأشجار” ووجودها كمعلم وحكمة للإنسان، وهذا ما نراه واضحا في نص بعنوان “سقطُ الحكمة” «ليست جذور الأشجار وحدها تقيم علاقة سرية مع الماء، الأغصان أيضا، القريبة من البحيرة تتدلى رؤوسها فوق أسطح البحيرات، للأغصان لغة كلغة الإوز والسمك وباقي الحيوانات، سكنى الأزرق».

لكن للمشهد السوري النصيب الأكبر من الكتاب، إذ أن الكاتب يعود في أكثر من نص -ولو أن الأسلوب تغيّر من كتابة نص مفتوح إلى قصائد نثرية بعضها قصيرة وبعضها طويلة- لاستحضار مشاهد وأحداث تعصف بخياله، كأن نقرأ في نص بعنوان “ريش” «الأطفال الذين ناموا البارحة لم يستيقظوا اليوم، الأطفال الذين حلموا، ربطوا أيدينا بأحلامهم حتى لا تهرب/ لم نكن عونا لهم، تفلتنا من أيديهم، حملنا السكين/ ومن دهليز رغبتهم في الحياة / تسللنا إلى أسرتهم البيضاء/ وذبحنا أحلامهم بالسكاكين».

ما ميّز كتاب “اسمه أحمد وظله النار” قدرته على تكثيف الوجع السوري بكتابته نصوص مفتوحة، من دون الوقوع في سرد حكائي نمطي، مباشر، لمشهد كبير كالمشهد السوري، والذي مازال ينزف إلى الآن. إضافة إلى الجانب المتنوع من حيث الشكل والمضمون، وهو الانتقال إلى قصائد نثرية مختلفة في موضوعها ومضمونها، من دون أن تشعر القارئ بأيّ تناقض أو خلل.

الكتاب يبقى طارحا لأسئلة من قبيل: هل عبرتَ الحدود وأغلقتَ خلفك الباب أيّها الشاعر؟ وكم سيمضي من الوقت ليفهم الذي يروم الخلود أن الحقائب كالبلدان لا تتشابه إلا في حالتي الخوف والحزن الشديدين؟

14