الحقائب ونصوص المطارات

الخميس 2016/12/08

أدباء كبار مثل بورخيس وحينما يصلون إلى مراحل متقدمة من الكتابة وهضم الأجناس الأدبية بطريقة الامتصاص الإيجابي والإنتاج الإبداعي الخالص لا يقفون عند تجنيس معين، ولا يقفون عند التعريفات القارّة التي تشبه الوصفات الطبية للكتابة، لهذا ترون كتّابا من النوع الخاص قادرين على ابتكار أساليبهم وتطويعها لمنجزاتهم الأدبية كما فعل بورخيس في كتابه “أسطوريات” الذي خرج عن التجنيس الأدبي قبل أكثر من أربعين سنة وكتب النص المفتوح الذي ليست له علاقة بالتسمية المتعارف عليها، فلا القصة القصيرة قادرة على أن تستوعب هذه الأسطوريات المعنية بالعناصر اليومية المهمَلَة في الكتابة، كالسينما والمصارعة وكرة القدم، ولا الرواية أو الشعر قادران على أن ينتميا إلى أسطوريات بورخيس المحدثة في سياقها الكتابي الجديد.

وهكذا يمكن أن نرى العناصر اليومية الكثيرة التي تجاورنا وتملأ أوقاتنا من دون أن ننتبه إليها كمعان ممكنة للكتابة تأكيدا لمقولة الجاحظ “المعاني مطروحة في الطريق” والطريق هو البصيرة الأدبية قبل أن تكون البَصَر وطريقة معالجة العنصر اليومي في ضياعه الأكيد بين أكداس العناصر المهملة كالستائر والحبال والشراشف والصحون والغبار والشوكولاتة والمعلبات والسّبورات والطباشير والمدارس والأبواب والشبابيك والأغطية وصراع الديكة والحقائب والقطارات والسكك المستقيمة …الخ.

لا أعتقد أن الأدب العربي بتجلياته وعطاءاته المختلفة يمكّن من أن يوجِد مثل هذه الابتكارات النصية إلا في ما ندر، وظل في الكثير من حلقاته تابعا إلى الآخر وما يُنتجه من فرعيات مستلّة من المتون أو مبتكرة وقائمة لذاتها من دون أن يكون لها جنس معروف أو تسمية مقصودة في انفتاح العصر الأدبي على المعارف الكثيرة المتتالية.

يبدو أن إرباك النوع الأدبي المهيمن بأنساقه المعروفة القديمة أصبح ضروريا مثلما أصبحت تسمية الجنس الأدبي غير ضرورية، ولا معنى كثيرا لها في انفتاح الآداب والثقافات والعلوم على بعضها سرديا وشعريا، ولو تتبعنا على سبيل المثال ثقافة الحقائب كأحد العناصر التي نراها يوميا سنجد تأويلات أدبية ناضجة يتمكن السارد من تقديم صورة أدبية جميلة لها وبها لا تحفل بالتسميات والمسميات النقدية الدارجة أمام النص المفتوح، فالحقيبة نص مفتوح على البيوت والمحال التجارية والمطارات، وبتوصيف عام فإن الحياة تشبه حقيبة كبيرة ونحن نمشي في جيوبها الكثيرة مثلما التوصيف الجغرافي يقول إن الأوطان حقائب تسير معنا في المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية.

المطارات ومنافذ الحدود الأخرى برا وبحرا هي أفضل الساحات لمعاينة النوع الثقافي والاجتماعي الذي تتركه الحقائب من انطباعات مباشرة لحامليها، ويمكن تشكيل نصوص مختلفة منها بملاحظة موضات الحقائب الآسيوية التي تختلف عن الموضات الأوروبية، وكلاهما يختلفان عن الموضة الأفريقية أو موضات مجتمعات أميركا اللاتينية، وليست للحقيبة العربية توصيفات ممكنة لأنها مستوردة عادة، لكنها تكشف إلى حد كبير النوع العربي في طبقيته الاجتماعية على نحو واضح.

تأخذنا اشتقاقات التأويل إلى معاينة الحقيبة، بوصفها منتوجا ثقافيا شعبيا ببصمتها الإنتاجية كعلامة ثقافية تشير إلى المنشأ حينا وحيناً إلى النوع الثقافي الاجتماعي أو الحضاري والأسطوري أيضا، لهذا تشترك الشعوب، ومعها الشركات التجارية بتصنيع النوع الثقافي الحقائبي في الكثير من الأحيان، لا سيما المنتجة محلياً تلك التي تحمل علامتها الثقافية والتاريخية والشعبية والتراثية، مشيرة إلى ثقافتها الشخصية لهذا سنرى حقائب المطارات وكأنها شعوب متنقلة يحملها الأفراد وأنها أشبه بالنصوص الوطنية المتحركة في هذه المنافذ العالمية.

إنها نصوص المطارات التي لا تتوقف ولا تستقر في سفرها الدائب ورحلاتها المثيرة وهي تحمل جنسيتها الشخصية وبصمتها الوطنية، وهذا من تأويل العناصر التي توصف عادة بالهامشية والمهمشة التي لا تقع عليها العين ولا بصائر الكتّاب، ويكفي القليل من الانتباه والتمعن والتبصر في الخروج من أزمة التعريفات المدرسية وصولا إلى اجتراح النص المفتوح عن هذه العناصر المفقودة في كتاباتنا الأدبية الكثيرة.

كاتب من العراق

14