الحقائق في الإعلام الرسمي العراقي أسيرة نظام المحاصصة

يمارس الإعلام العراقي الرسمي دور الضحية والجلاد في آن واحد، فهو خاضع لنظام محاصصة طائفية يفرض عليه صنفا معينا من الصحافيين والعاملين، ما انعكس على خطابه الإعلامي الذي أصبح يعاني من طائفية مزمنة في بلد يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الحياد الإعلامي والخطاب العقلاني.
الاثنين 2016/11/14
الخطاب الإعلامي الراهن الابن الشرعي للنظام السياسي

لم يشهد خطاب الإعلام الرسمي العراقي بعد عام 2003 تغييرا ملموسا في محتواه رغم استبدال الطاقم الذي كان يدير ماكينته منذ الأيام الأولى لتغيير النظام السياسي، ابتداء من الحلقات الصغرى التنفيذية وانتهاء بالحلقات الأوسع حيث الرؤوس الكبيرة التي تتولى عملية رسم الخطط والبرامج الاستراتيجية لكافة المؤسسات الإعلامية.

وأصبح المعيار الأساسي في أحداث هذا التغيير، اصطباغ المؤسسات الإعلامية الرسمية بالهوية المذهبية الواحدة لغالبية العناصر العاملة فيها، والانغماس في خطاب أحادي يفتقد إلى المعايير المهنية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الرصينة في العالم، وهو ما يعود بالدرجة الأولى إلى أن المنظومة الفكرية التي تعشش في أدمغة من يمسك بزمام إدارة المؤسسات الإعلامية الحكومية كانت ومازالت محكومة بهواجس الخوف من فقدان السلطة السياسية طالما أن عملية الوصول إليها قد تمت بطريقة غير شرعية.

ويمكن، بناء على هذه المعطيات، فهم أسباب عدم توفر قيم مثل الموضوعية والمهنية في خطاب إعلامي رسمي يعبر عن سلطة سياسية؟ وسيكون من المنطقي غياب المعايير الصحافية في السياق العام لهذا الخطاب، وبدلا عنها يتم تكريس التزييف والتزوير والتحريف، لأن النظام القائم لا يملك حجة وجوده وبقائه التي يواجه بها منتقديه وخصومه وأعداءه، سوى من خلال هذه الأساليب الإعلامية التي لا تجد بيئة نموذجية صالحة يمكن أن تعيش وتنتعش فيها سوى المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا الشرقية، التي تنعدم فيها المسافة الفاصلة بين الخرافة والعلم، وتختلط صورة الفارس البطل مع صورة المجرم والسفاح، التي يضيع فيها صوت الحقائق في فوضى الأصوات النشاز.

ويصبح من المنطقي جدا أن النموذج الذي سينخرط في العمل الإعلامي حتى وإن توفرت فيه الحرفية العالية، سيكون أبعد من أن يحمل في داخله قيما إنسانية يدافع عنها ويستبسل من أجل إيصالها إلى المتلقي، فالحقائق لا تعني له أي شيء بقدر ما يكون حرصه منصبا على أن يكون خطاب السلطة فاعلا ومؤثرا.

ويفرز هذا الوضع نموذجين من الإعلاميين، فإما أن يكونوا جزءا من منظومة السلطة السياسية وعادة ما يتولى هؤلاء المناصب العليا التي تتحكم في تقرير ما ينبغي أن يكون عليه الخطاب، وإما أن يكونوا نماذج حرفية ينحصر فهمها المحدود لدورها في إطار تنفيذ ما هو مطلوب منها بأفضل ما يكون من الناحية الشكلية، وهذا النموذج يكاد يكون القاعدة العريضة التي تعتمد عليها مؤسسات السلطة الرسمية الإعلامية، ومن الطبيعي جدا أن تكون بينهم عناصر يتوفر فيها مستوى مميز من الذكاء والموهبة والحرفية بغض النظر عن مسألة افتقادهم إلى شرط المهنية، وقد حفل المشهد الإعلامي خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية بنماذج كثيرة من هذا الصنف بعضهم جاء من المنافي الأوروبية بعد أن تعلم هناك إلاّ أنه مارس دورا اعلاميا سيئا تساوى فيه مع آخرين لم تكن أمامهم أيّ فرصة لكي يعيشوا خارج العراق ويتعرفوا على تجارب البلدان المتقدمة في كيفية تعاطي مؤسساتها الإعلامية مع الوقائع والأحداث بقدر كبير من المهنية.

القاعدة العريضة من الإعلاميين ينحصر دورها في تنفيذ ما هو مطلوب منها بأفضل ما يكون من الناحية الشكلية

لقد ارتكب الإعلام الرسمي العراقي العديد من الانتهاكات والإساءات في حق المجتمع عندما تحول إلى منصة لإشاعة مشاعر التطرف والإرهاب وهذا يمكن ملاحظته في العديد من البرامج والفقرات خاصة في البث الفضائي، فكان أخطر حلقة مؤثرة في الواقع العراقي من ضمن حلقات ودوائر نظام المحاصصة الطائفية.

وكان آخر وأحدث نموذج لانحراف الإعلام الرسمي العراقي عن جادة المهنية، ما قام به مراسل لقناة العراقية الرسمية الناطقة باسم الحكومة والممولة من المال العام، خلال تغطيته لحرب تحرير الموصل من سلطة داعش.

كان المراسل، قد دعا صراحة ومن مقر إقامته في باريس قبل عام، وعبر صفحته في موقع تويتر إلى قتل جميع سكان الموصل من العرب السنة بالسلاح الكيميائي لأنهم جميعا دواعش حسب زعمه.

وكافأته قناة العراقية الرسمية، بمرافقة القوات العراقية عند أطراف المدينة، بدل أن يعاقب بالطرد، ليرتكب في مهمته الجديدة خطأ آخر لا يقل فداحة في نتائجه عن دعوته السابقة ولا يمكن لمراسل تتوفر فيه أبسط شروط المهنية أن يرتكبه.

وأخلّ المراسل بشرف المهنة ولم يحافظ على سرية المصادر التي ترفده بالمعلومات، فبعد أن وعد رجلا موصليا مُسنّا بأن لا يظهر صورته على الشاشة، مقابل أن يرشده إلى أحد البيوت التي تعاون ساكنوها مع تنظيم داعش في أحد الأحياء السكنية التي دخلتها القوات العراقية، لم يف المراسل بوعده وكشف صورة الرجل المسن في التقرير المصوّر.

ووضع المراسل حياة المسن في خطر، نظرا إلى أن المعركة لم تنته ومازالت في مرحلة الكر والفر، وهو ما يعتبر استهتارا بأخلاقيات المهنة، وكان من الواجب على الجهة الرسمية التي يعمل لديها ويمثلها في مهمته أن توجه له عقوبة قانونية تتناسب مع ما ارتكبه من انتهاك لضوابط العمل الإعلامي.

ولا يبدو أن أزمة الثقة بين خطاب الإعلام الرسمي والمتلقي العراقي، ستخرج من الزاوية الحرجة التي توجد فيها، طالما أن منتجي هذا الخطاب قد أقفلوا أبوابهم ونوافذهم على ما لديهم من معلومات ومعارف أكل الدهر عليها وشرب، ولم يعيروا أهمية لتجارب الآخرين الناجحة في استقطاب المتلقي، ومازالوا يستعملون اللغة ذاتها والمفردات الميتة المستندة إلى قانون “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون” متجاهلين بذلك ما حصل من تطور هائل في لغة ووسائط الإعلام بالشكل الذي لم يعد فيه المتلقي أسير القنوات الإعلامية الرسمية للحصول على المعلومة.

18