الحقد موجه سيئ في السياسة

الجمعة 2015/01/30

لم يتناه إلى علمي بعد، انتصار رؤية سياسية قائمة، في منشئها، وأساليبها وأهدافها، على الحقد بصورة حصرية. ولعل هذا ما يعنيه قول: الحقد موجه سيئ في السياسة، وهو قول صحيح، من حيث بعده الإجمالي، ولا اعتراض عليه إلا في أمر أساسي، وهو اعتبار تصور أساسه الحقد، وبرنامج عمل عماده الحقد، ومفرداته واستراتيجيته أركانها الحقد، سياسة. فالأولى اعتبار كل ذلك حقدا وكفى، لأنه تصور أبعد ما يكون عن مفهوم السياسة.

صحيح أن اللوحة السابقة أقرب إلى ما هو مثالي في جنسه منها إلى الواقع، وبالتالي، فإنه من الصعب أن تجد، على أرض الواقع، ممارسة تجتمع لها، وفيها كل تلك الآفات، التي تختزنها كلمة الحقد، غير أن العبرة لم تكن، في أي من الأيام، بنت التصورات القصوى والنماذج المثالية التي ليس ممكنا في الواقع تلمسها والتدليل عليها وذلك ببساطة لأنه لا وجود لها. إنما العبرة في مؤدى الحقد ونتائجه الكارثية على الممارسة السياسية في مختلف أبعادها. وهذا بالضبط ما ينبغي العمل على تلافيه، حرصاً على الممارسة السياسية ونجاعتها.

ويبدو من عملية جرد بسيطة لممارسات تنظيمات الإخوان المسلمين في مختلف البلاد العربية أنها تعطي البرهان والحجة على أن الحقد، في تصورها، هو محور كل تلك الممارسات، وأين نحن من الحقد الطبقي الذي دعت إليه الماركسية في طبعاتها الدوغمائية، من هذا الحقد الشمولي، الذي تقوم عليه ايديولوجية الإخوان، وخاصة الفكر التكفيري، وإن لم تجرؤ يوما على إعلانه صراحة، غير أنه يشكل الموجه الرئيس لها في تحديد المواقف وبناء التصورات.

لا جدال في أن الأهواء المختلفة تلعب أدوارا معترفا بها في السياسة. فهذا موضوع إجماع، بين مختلف الدارسين، غير أنه ما أن يتم طرح مسألة مدى قوة أو ضعف، ودرجة تأثير الأهواء في المجال السياسي، حتى تتباين الرؤى، وتتعدد المواقف، إلى درجة التناقض، بين من لا يعيرونها أهمية الحسم، في اتجاهات السياسة، ومن يعتبرون أنها هي المحدد الأساسي، في مجالاتها المختلفة، في نهاية المطاف. وبطبيعة الحال، فإن تعبير الأهواء يتسع لما لا حصر له من الإحساسات والانفعالات الفردية والجماعية على حد سواء، مثل الحب والكراهية والقبول والرفض والاشمئزاز والاستخفاف إلى غير ذلك مما يمكن اعتباره موضوعا مستقلا بحيث يمكن الوقوف عند طبيعة دوره الخاص في المجال السياسي وبحسب شرائح المجتمع المعنية.

وفي سياق تحليل وتفسير هذه الأهواء، يعتبر البعض أن الظلم بمختلف أشكاله هو، في غالب الأحيان، العامل الأساسي المفسر لتنامي الحقد والضغينة، باعتبارهما عاملين أساسيين في بلورة مختلف تصورات الانتقام الذي قد تلجأ إليه الفئات التي تشعر بالظلم. غير أنه ليس كل ظلم يؤدي، بالضرورة، إلى الحقد في مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية. فالحقد عبارة عن تصور جوهري لطبيعة العلاقة التي تنسجها بعض الفئات الاجتماعية، والنخب السياسية، في معرض رفضها وتعاملها الضدي مع الظلم، ومن يمثلونه، ويرمزون إليه، في المجتمع، وهذا من شأنه أن يستغرق عشرات السنين، وربما قرونا، الأمر الذي يحوله إلى ثقافة سياسية عميقة لتلك الفئات والنخب.

ولعل في مقدمة الأخطاء الانطلاق من فرضية إمكان التطبيع معها والتعاطي معها، كما لو كانت ظاهرة عادية، أو من طبيعة الأشياء، والحال، أنها تتعارض، إلى حد التناقض، مع ما هو طبيعي بحيث يتطلب التعاطي معها أساليب استثنائية تتلاءم مع فرضياتها ومسلماتها، وخاصة على مستوى البناء المجتمعي والممارسة السياسية منظورا إليها من زاوية تدبير الشأن العام، أي تدبير شؤون الدولة ومسألة القيادة السياسية للمجتمع والأفراد، في آن واحد.

لقد اتضح للجميع من خلال تجربة حكم الإخوان في مصر، أن علاقات الجماعة مع أفكار التعايش والديمقراطية واستقلال القضاء وفصل السلط، علاقة أقل ما يقال عنها إنها ضعيفة إلى أبعد الحدود، أمام ما تعتقده من الأفكار المؤسسة للإسلام السياسي. وهو السبب الذي عجل في اصطدامها مع مختلف فئات الشعب المصري، بما في ذلك تلك التي ساهمت، بفعالية، في إيصال ممثلها محمد مرسي إلى قمة هرم السلطة.

ولعل إمعان النظر في أهم السياسات التي اعتمدتها جماعة الإخوان، على رأس السلطة، في مصر، يوضح أن تلك السياسات قامت على منطق كونها مصدر الحقيقة، المطلقة، وبالتالي، فإن عليها العمل على تهميش، وربما القضاء على أي رأي أو موقف، قد يناقض حقيقتها الخاصة، كليا أو جزئيا متى أمكنها ذلك.

وفي هذا السياق، اتهم المصريون الرئيس محمد مرسي بأنه أخل بكل ممكنات التعاقد الاجتماعي والسياسي، التي تجسدت في دعمه في الانتخابات، من قبل بعض فصائل الحراك السياسي، التي كانت تتخوف من فوز أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية، لأنها تعتبره ممثلا لنظام حسني مبارك. بل إنه في نظرها أصبح الممثل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين على رأس السلطة، وأنه يستقي كل التوجيهات الأساسية من مرشد الجماعة الذي يحاول أخونة الدولة، بمختلف مؤسساتها لضمان البقاء في السلطة والاستئثار بها.

ولعل من أهم محددات توجهات إخوان مصر الأيديولوجية والسياسية إنكارها لمبدأ التعايش الذي تؤمنه قيم الديمقراطية الحديثة. صحيح أن خطابها السياسي قد عرف تحولا، عندما لم تعد تضع شعار ”الإسلام هو الحل” في مكان الصدارة وأعلنت ضرورة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، غير أنها تضع نفسها في موقع من السمو الأخلاقي والديني مقابل مختلف القوى الاجتماعية والسياسية التي لا تنطلق، بصورة حصرية، من المرجعية الدينية، الأمر الذي يرجح كفة هذا السمو كلما كان هناك تعارض بين قيم الديمقراطية الحديثة، وبين ما تعتبره ثوابت مرجعيتها الدينية. بل إن هناك من التيارات داخل جماعة الإخوان المسلمين من لم تغادر قط مواقع تكفير فئات واسعة من المجتمع، وليس كل تكفير بمنأى عن الحقد وهو يفضح أصحابه خلال المنعطفات الرئيسية على أقل تقدير.


كاتب وباحث مغربي

12