الحقوقي الذي يحكم تونس.. ولكن بلا صلاحيات

السبت 2013/09/28
تحالفه مع الإسلاميين أفقده هيبته

تونس-أصبح اليوم في تونس نقد الرئيس ووصفه بأبشع النعوت ممكنا، ولئن يعزو البعض ذلك إلى حرية التعبير وانهيار حاجز الخوف بعد ثورة شبابها على نظام زين العابدين بن علي، فإن البعض الآخر يعتقد أن شخصية الرئيس الجديد المنصف المرزوقي المثيرة للجدل هي من جعل رواد الإنترنت ينتزعون عن منصب الرئيس القدسية المعتادة.

عندما يتحوّل "تفكير المثقّف إلى تفكير جماعي لا عقلاني يخرج عن دوره "في النّقد على أساس عقلانيّ وأخلاقيّ وسياسيّ، ويصبح المثقّف حينها "جوقة تردّد صدى النّظرة السّياسيّة السّائدة”، وهذا التصرّف وفق المفكر الفلسطيني يعدّ "خيانة".

لو بحثا عن مثال عملي وواقعي لنظرية إدوارد سعيد عن "خيانة المثقّفين" التي تحدّث عنها في الفصل الثاني من كتابه "المثقّف والسلطة"، لوجدنا الكثير منهم في ساحاتنا السياسية العربية. وأبرز نموذج يمكن الاستدلال به في هذا المقام الرئيس التونسي محمّد المنصف المرزوقي صاحب التاريخ العريق في مجال البحث والفكر وحقوق الإنسان.

الرئيس التونسي هو المثال الذي قال عنه إدوار سعيد: "المثقّف دائما ما يتاح له الاختيار التالي: إما أن ينحاز إلى صفوف الضعفاء ومن يعانون من التجاهل؛ وإما أن ينحاز إلى صفوف الأقوياء".

الخياران اللذان تحدّث عنهما إدوارد سعيد شكلا فاصلين زمينيين في مسيرة المرزوقي الذي عاش الاختيارين ضمن زمن أول، وهو منذ نشأته إلى غاية يناير 2011، والزمن الثاني منذ تنصيبه رئيسا للجمهورية التونسية من قبل حكومة الترويكا الحاكمة.

الزمن الأول


نشأ محمد المنصف المرزوقي في تونس والتحق بالمدرسة الصادقية بالعاصمة، ثم غادر تونس للالتحاق بعائلة والده في المغرب بعد هربها من بطش الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، لأنها كانت عائلة يوسفية ناضلت ضد الاستعمار الفرنسي وضد ما اعتبرته تسلط البورقيبية وانحرافها على العروبة وانحيازها للحداثة الغربية، وعاش مع عائلته في مدينة طنجة حتى عام 1964، بعدها سافر إلى فرنسا وتزوج هناك.

بدأت ملامح الوعي السياسي عند المرزوقي الأساسية تتشكّل في باريس، أين أعجب بالقيم الكونية التي نادت بها الثورة الفرنسية وأصبح من الداعين إليها، وأصبح أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس والعالم العربي. وعرف عنه، قبل أن يصبح رئيسا، دفاعه الشرس عن القيم الكونية المتعلقة بحقوق الإنسان.

بعد مجهود دراسي، تحصل المرزوقي على دكتورا في الطب من جامعة سترازبورغ والإجازة في علم النفس من كلية السوربون. وكان نداء الحنين والواجب يتحرك داخله كي يعود إلى بلده تونس، ويفيدها بما تحصل عليه من علم ومعرفة، ويرسي بعضا من القيم الثورية التي تشربها في فرنسا. فعاد إلى تونس وعمل استاذا بكلية الطب بسوسة، وبقسم الأعصاب بجامعة الطب بتونس.

جديته في العمل وصرامته جعلته يتحصل على عديد الجوائز الدولية مثل جائزة "هامت هلمان" للكتاب المضطهدين وجائزة المؤتمر المغاربي الطبي العربي. وجائزة سكانو الإيطالية وجائزة هيومن رايت واتش الأمريكية وجائزة كامب العالمية لحقوق الطفل.

ولم تكن تلك الجوائز لتغريه وتبعده عن الميدان السياسي والحقوقي، فنشط المرزوقي بشراسة ضمن المجتمع المدني، وترأس الرابطة التونسية لحقوق الانسان. لكنه خلع من رئاستها لمواقفه الراديكالية ضد سياسة نظام بن علي القمعي. وساهم مع جملة من المناضلين في تأسيس المجلس الوطني للحريات، كما أسس رفقة مجموعة من الحقوقيين الشبكة الافريقية لحقوق الطفل، وأسس مع المناضل السوري هيثم مناع اللجنة العربية لحقوق الانسان التي ترأسها إلى غاية سنة 2000 .

سنة 2001 أسس رفقة مجموعة من المناضلين التونسيين "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية"، حيث أعلن أنه حزب مقاومة لا حزب معارضة وهو حزب سياسي علماني ذو توجه يساري قومي. وصدر ضده في نفس السنة حكم بالسجن لمدة عام، وبعد ضغوطات دولية على الحكومة التونسية، تم ترحيله إلى فرنسا. وهناك رفض قبول عرض السلطات الفرنسية منحه اللجوء السياسي، رغم ما تمنحه له هذه الصفة من امتيازات، وذلك ليحتفظ بحقه في العودة للتراب التونسي.

وتمكن من العودة إلى تونس في أكثر من مناسبة، دون موافقة السلطات، متحدياً بذلك الحكم بالسجن الصادر ضده من القضاء التونسي، كان آخرها سنة 2006، حيث عاد إلى تونس لشن حملة دعوة إلى العصيان المدني، بهدف إسقاط نظام بن علي. وقع إيقافه في المطار ورحل إلى فرنسا، بعد 5 أيام تعرض خلالها إلى الترهيب والمحاصرة الشديدين من قبل البوليس السياسي. واصل رحلة نضاله في المنفى، من خلال كتاباته السياسية، ونشاطه في المنظمات الحقوقية الدولية، وتحريضه المتواصل على العصيان المدني، وكل وسائل النضال السلمي لإسقاط نظام بن علي.

الموقف القمعي ضده زاده قوّة، وكرد فعل على ذلك، قام بالترشح للانتخابات الرئاسية، وذلك لكسر هالة القداسة المفتعلة حول هذا المنصب. فشكلت هذه الخطوة نقطة فارقة في تاريخ المعارضة التونسية، حيث وجد بن علي نفسه ولأول مرة في تاريخ نظامه، مضطرا لإرساء مبدأ التعددية في الانتخابات الرئاسية. ولم تكن السلطة القمعية لنظام بن علي، لتقف عند حد مراقبته ومراقبة تحركاته، فقامت بسجنه في زنزانة انفرادية لمدة 4 أشهر إذ الرجل تمادى في إحراجها، وكان إعلانه الترشح لرئاسة الجمهورية القطرة التي أفاضت الكأس. لم يدم مكوث المرزوقي في السجن كثيرا، إذ أطلق سراحه في يوليو من نفس السنة، إثر حملة وطنية ودولية وتدخل الزعيم الأفريقي نيلسون ماندلا شخصيا.

يجمع المرزوقي بين القيم التقليدية لليسار "الزائدة والعقيمة" واهتمام متواصل بالمطالب الاجتماعية وخاصة منها مطالب سكان المناطق الداخلية التي أهملتها في الغالب البورجوازية المثقفة، حتى الديمقراطية يصفها بكونها زائدة وعقيمة، وهي هاجس حسب قوله من "البذخ السياسي" تقتصر على البورجوازية الأوربية والأميركية الشمالية .

المنصف المرزوقي.. الطبيب الرئيس
*عام 2011 أصبح أول رئيس لتونس بعد الثورة خلفا لغريمه التاريخي بن علي.

* برز دوره على مدى عدة سنوات كناشط سياسي معارض وداعية لحقوق الإنسان.

* أسس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

* تعرّض للسجن والطرد من العمل ولمنع كتبه وحجب موقعه ولمحاكمات عديدة وللمنع من السفر خلال عهد بن علي، وعاش سنوات من حياته في المنفى.

* حصل عام 1982 على جائزة المغرب العربي في الطب لأبحاثه عن الإصابات الدماغية عند الأطفال المعاقين وسبل الوقاية منها، وعام 1989 على جائزة المؤتمر الطبي العربي لكتابه "المدخل إلى الطب المندمج".

* له مؤلفات بالعربية والفرنسية في ميادين الطب والفكر السياسي وحقوق الإنسان والأدب والعديد من المقالات العلمية في المجلات الطبية والمقالات الفكرية والسياسية.

* ترأس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان (1989-1994)، واللجنة العربية لحقوق الإنسان (1998-2001)، والمجلس الوطني للحريات في تونس (1999-2001).

وكان المرزوقي يتنبّأ في كتابتها وأطروحاته بسقوط الأنظمة القمعية والاستبدادية، لأن الصيرورة التاريخية تحتم ذلك، فالشعوب العربية الطامحة للانعتاق، والتي ترغب في استرداد حقوقها وكرامتها، لا بد أن تنتفض وستغير المشهد السياسي الحالي، وتحققت رؤية المرزوقي وسقط بن علي وخلفه هو.

الزمن الثاني

إحدى الصور الأكثر تميزا للثورة التونسية كانت دون شك وصول منصف المرزوقي المعارض اللدود لنظام بن علي إلى مطار تونس قرطاج بعد سنوات عدة من المنفى في فرنسا. ونظرا للتاريخ الحافل بالنضالات ضال استقبلته حشود غفيرة من الناس تكريما للشخص الذي طالما جاهر بالعداء للظالم المستبد. وفي لحظة حماسية صرخ منصف المرزوقي قائلا " أنا اللاجئ السياسي بلا وسائل ولا مال رجعت منتصرا إلى بلدي، في حين أولائك الأقوياء والمستعصي طردهم غادروه" .

وقال هذا الطبيب الأسمر ذو النظارات الكبيرة، في تصريح آخر بعد هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي: " العبارة "لن أتراجع أبدا عن مطلبي بالاضطلاع بمنصب رئيس الجمهورية للفترة الانتقالية المقبلة".

مع وصوله إلى قصر قرطاج الرئاسي عتب عليه الكثيرون تحالفه مع الإسلاميين، وهو المعروف بموقفه اليساري، حتى أن العديد من رفاق دربه النضالي – ابتعدوا عنه شيئا فشيئا – ولم يغفروا له تحالفه مع حزب النهضة الإسلامي، وهو الذي ارتكب في نظرهم "خطئا" مشابها حين أمضى سنة 2003 ما يعرف' بإعلان تونس' مع إسلاميين من حركة النهضة.

إصرار المرزوقي على تحقيق نبوءته والفوز بمنصب رئيس الدولة بعد مفاوضات شاقة وطويلة بين الأحزاب الثلاثة التي فازت في انتخابات المجلس التأسيسي، رأى فيه رواد الإنترنت تلطيخا لمسيرة رجل حقوقي يشهد تاريخه السياسي بنضاله في سبيل الحريات وزهده بالمناصب، ورأت في هذا التغيير نوعا من الخيانة للصورة التي طالما سوقها سابقا عن رغبته في الدفاع عن الحريات بغض النظر عن المصالح الشخصية الضيقة.

وطالت الانتقادات أيضا تحالف المرزوقي الوثيق مع النهضة رغم تباعد مقاربات الحزبين وتاريخهما ومكانتهما في الساحة السياسية ورأت فيه تغليبا لمصلحته الشخصية على مصالح الحزب بقبوله بمنصب رئيس صوري.

والنهضة هي حزب يتفاهم معا تفاهما جيدا حتى أنه يذهب بعيدا الى درجة أنه يقوم في مناسبات عدة بمهاجمة "اليسار اليساري العلماني والفرنكفوني ، المنفصل تماما عن المشاكل الحقيقية للمجتمع التونسي"، مثلما يحلو له أن يصفه. ومن الأكيد ملاحظة أنه تنازل للإسلاميين في مسألة العلمانية ويشاطرهم الرأي فيما يخص الهوية العربية الاسلامية، وهي أيديولوجيا كان لها صدى عاليا خلال الحملة الانتخابية في أكتوبر-تشرين الأول 2011

الحقوقي والمناضل الكبير أصبح اليوم في نظر البعض "طرطور الجمهورية" وهو مصطلح للسخرية من المنصب الفخري الذي منحه إياه حزب النهضة، الذي جرّد الرئيس الجديد من كل صلاحياته لصالح رئيس الوزراء الإسلامي الذي يتمتع قانونيا بصلاحيات أكبر بكثير من صلاحيات الرئيس.

في البداية اعتبر تحالف المرزوقي مع النهضة دليل على نجاح "دكتور تونس" – المعروف بأنه كان دائما معارضا شرسا لدكتاتورية بن علي – على مرونته عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع حليفه الإسلامي. لكن الرجل الذي لم يتوقف عن التصريح بأنه "لا مصالحة ممكنة مع الديكتاتورية" يرفض شيطنة الإسلاميين، لكنه مع ذلك قبل أن يكون رئيسا صوريا دون صلاحيات، مخيّبا آمال كثير من التونسيين المهمّشين الذين انتخبوه لينسيهم سنين التجاهل، فكان نصيبهم مزيد من الآلام؛ ليصبّوا جام غضبهم على الرئيس التونسي، ويأخذون بثأرهم مضاعفا، حقد 30 سنة من حكم بن علي، وحقد على المرزوقي الذي وعد فأخلف. وانهالوا عليه سخرية جارحة في مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية والبرامج التلفزيونية، على أمل أن يخلع المرزوقي عنه برنس الرئاسة ويستعيد حلباب المثقف المدافع عن الحريّات وحقوق المواطن.

12