"الحقيبة" أيقونة الغناء السوداني تقاوم الأغاني الشبابية الهابطة

لا تزال أغاني “الحقيبة” التراثية والتي يعود ظهورها إلى أكثر من مئة عام، تتمتع بشعبية كبيرة في السودان، حيث تحتفظ هذه الأيقونة الموسيقية بأسرار التراث السوداني وتاريخه الثقافي المتنوع.
الاثنين 2017/04/10
رصانة الكلمة وجزالة اللحن في مواجهة الأغاني الشبابية الحديثة

الخرطوم- في السودان الذي يصفه مثقفوه بأنه “خلاسي” (أي أهله خليط من العرب والأفارقة)، ستجد هذا المزيج في كل شيء، من الملامح إلى الموسيقى، لا سيما تلك الأغاني المسماة شعبيا بـ”الحقيبة”.

هذه الأغاني التراثية التي يعود ظهورها إلى أكثر من مئة عام، ولا تزال تتمتع بشعبية كاسحة، يعتمدها أكثرية الموسيقيين كعمود فقري للحركة الغنائية في السودان. ولأن أغاني “الحقيبة” انتشرت قبل وصول الأوركسترا إلى البلاد، فإنها ارتكزت بالأساس على مغنّ واحد، يردّد من ورائه آخرون مقاطع الأغنية دون آلات موسيقية سوى الرق (الدف) والطبل.

موسيقى شعبية ملتزمة ذات طابع روحاني

وما ساعد في ذيوع “الحقيبة”، إفراد حيّز كبير لها في الإذاعة السودانية، بعد تأسيسها عام 1940، وتغطيتها تدريجيا لأنحاء مختلفة من البلاد. ومن الإذاعة، أخذت هذه المقطوعات، وفقا لأكثر الروايات تداولا، اسم “الحقيبة”، وذلك نظير بثها، ابتداءً من عام 1954، في برنامج إذاعي بعنوان “حقيبة الفن”.

وهذه الأغاني، المُكرّسة لتمجيد الفروسية، كان لها الفضل في تغذية الروح الوطنية، لمناهضة المستعمر الإنكليزي، حتى خروجه من البلاد العام 1956. وتاريخيا لم تكتف “الحقيبة” بالدور السياسي فقط بل دعّمت قضايا مجتمعية ملحة، مثل الاهتمام بالتعليم الذي كان وقتها محدودا، من حيث شكله الحديث المُهيكل في مدارس وجامعات.

أيامها، كانت “الخلاوي”(مدارس تقليدية لتحفيظ القرآن الكريم واللغة العربية) مصدر التعليم الرئيس، ويديرها شيوخ الطرق الصوفية الذين يدين لهم غالبية السكان بالولاء.

ولأن عددا مقدّرا من فناني هذا الضرب كانوا من خريجي “الخلاوي”، امتدت أعمالهم للمدائح النبوية الشريفة والحضّ على مكارم الأخلاق. ومن تأثيرات مدارس “الخلاوي” على أغاني الحقيبة، أن كثيرًا منها أُقرض من اللغة العربية الفصحى بجانب العامية.

ويقول الباحث ومغني الحقيبة محمد حسن الجقر إن “هذه الأغاني كانت تحاول تثبيت قيم مجتمع زعزعه الاستعمار، لذلك لم تنزلق إلى تقديم فن متدن”. وحتى الأغاني التي بها جوانب من الغزل، يضيف الجقر أنها “لم تكن تخرج عن حدود العرف السائد، مع وجود البعض من الاستثناءات”.

ويعتقد الباحث السوداني أن السمة الأهم لأغاني “الحقيبة” هي “المساهمة الكبيرة في تكوين النسيج الاجتماعي بدمج المكونيين العربي والأفريقي”. ويستشهد الجقر بأن هذه الأغاني “اعتمدت على إيقاع الطبل والرق (الدف) وهذا مكوّن رئيس في اللحن الأفريقي، مع كلمات عربية فصيحة أقربإلى العامية، لذلك حظيت بالقبول عند الثقافتين”.

أغان تراثية تجمع الأصول العربية بالأفريقية

وشأنها شأن بقية روافد الأغنية السودانية، تُعزف “الحقيبة” على السلم الخماسي. ومع أن هذه الأغاني التراثية كانت ولا تزال في موضع زخم، إلا أن وتيرتها ارتفعت، خلال الأيام الماضية، من خلال مهرجان يوثق لها، هو الأول من نوعه.

وقال السمؤال خلف الله، الأمين العام لمؤسسة “أروقة للثقافة والعلوم”، غير الحكومية، والتي نظمت المهرجان، بالتعاون مع وزارة الثقافة بمحافظة الخرطوم أن هدفهم ” لفت انتباه الأجيال الجديدة”.

وأضاف أنّ الأغاني قُدّمت خلال المهرجان بآلات حديثة وذلك لـ”محاصرة أغان شبابية رديئة تتصدر المشهد الغنائي، وتفتقد لرصانة الكلمة واللحن”. وشارك في الفعالية التي أُطلق عليها “روائع الحقيبة” 120 فنانا مع 400 عازف تغنوا بـ144 عملا، من جملة أغاني “الحقيبة” المُقدرة بنحو 1000 مقطوعة.

ومقابل هذا الاحتفاء ينتقد الشاعر السوداني صلاح الدين مصطفى “إصرار البعض على إلغاء كل روافد الأغنية السودانية، وجعل الحقيبة أساسا وحيدا لها”. ونبّه مصطفى إلى روافد “غنية” مثل أغاني “الطمبور” وهو آلة وترية شعبية منتشرة شمالي البلاد، و”الدوبيت” وهو ضرب من الغناء دون آلات موسيقية منتشر وسط مجموعات رعوية شرقي البلاد.

ويدعو الشاعر السوداني أيضا، إلى عدم تجاهل روافد حديثة، مثل موسيقى الجيش والأوركسترا، لكنه لا يقلل كليا من “الحقيبة” بوصفها “مثل غيرها من الفنون تحتوي على أغان جيدة وعادية وضعيفة”. أما بالنسبة إلى خلف الله، فإن هذه الأغاني ستحتفظ بشعبيتها، كما كان عليه الحال في المئة عام المنصرمة، لما تتمتع به من “رصانة الكلمة وجزالة اللحن”.

20