الحق الأخير لكل إنسان

الخميس 2015/10/29

هل سبق لك أن وجدتَ نفسك برفقة شخص يُحتضر ولم تعد تفصله سوى دقائق معدودة عن عالم الأموات؟ هل حاولتَ تلطيف الأجواء بالمداعبة والملاعبة أم اكتفيتَ بإبداء الحزن والأسى؟ هل قمتَ بتحريضه على التمسك بالحياة حتى الرّمق الأخير كما فعل جلجامش مع صديقه أنكيدو أم وجّهته لتقبّل النهاية والاستسلام للموت كما يفعل الدلاي لاما لدى البوذيين التبتيين؟

لا شك أن الوضع ليس سهلا، كما أننا لسنا مهيّئين لهكذا موقف. ومثلا، فنحن نعرف أهم القواعد القانونية والدينية والأدبية في التعامل مع الجثمان بعد موت الهالك، نعرف أيضا القواعد الأخلاقية في التعامل مع المرضى والعجزة والمعاقين كيفما كانت أحوالهم، تلك القواعد ليست سوى حقوق تقع على كاهل الأقربين فالأبعدين، لكننا لسنا متأكدين من وجود حقوق خاصة بالمحتضرين قد تقع بدورها على عاتق الأقربين فالأبعدين تباعا؟

وفق العرف الإنساني الأكثر بداهة ليس على المحتضر من واجبات وذلك لسبب واضح: ليس لديه ما نساومه عليه. المحتضر ذاتٌ تعيش منتهى الحرية، ولو لبضع دقائق. لكن بصدد الحقوق فإنّ العرف الإنساني يضمن للمحتضر حقوقا لا تقبل المساومة: الرعاية الخاصة، المصاحبة الطبية، حفظ الوصية، حسن الإنصات، إلخ.

هل هذا ما نفعله بالفعل؟ منذ لحظة الاحتضار ننزع عن المحتضر صفة الذات ونجعله مجرد موضوع، موضوع لنا، لهواجسنا ووساوسنا وأمراضنا. بل حتى الشخص المريض عندنا يفقد ذاته ويصبح مجرّد موضوع للعائلة وللطبيب، ونفس الشيء بالنسبة إلى العجوز الذي لا نرعاه إلا بعد أن نقتل ذاته. إنها مساومة قاسية! وبالأحرى، عندنا، عندما يدخل المرء طور الاحتضار نجعله مجرّد موضوع للآخرين: الأسرة، العائلة، الفقيه، المقرئ، الورثة، الطفيليون، إلخ.

هناك مشكلة في رؤيتنا الدينية، عندما نطرح مسألة الشعائر الدينية فإننا لا نطرحها من باب الحقوق التي تجعل المتديّن ذاتا، وإنما نطرحها من باب الواجبات التي تجعل المتدين مجرد موضوع، موضوع للجماعة، للسلطة الدينية، للمفتي، للشيخ، للشريعة، للملائكة، إلخ؛ طالما أننا لا نعتبر أن الدين حق للإنسان لكننا نعتبره حقا عليه. وهذا فرق كبير. في العرف الإنساني وحده المحتضر يملك السلطة المطلقة على ما بقي له من سويعات ودقائق. وهذا درس لا ينكره الحسّ الإنساني السليم.

مناسبة القول قصة امرأة إيطالية من أصول مغربية. بعد وفاة زوجها الإيطالي/المسيحي اختارت أن تعود للعيش وسط أهلها، مارست معهم طقوس الديانة الإسلامية، لكنها في لحظة احتضارها أوصت بدفنها في المقبرة المسيحية جوار زوجها، على أساس أن تتم الطقوس وفق الشعائر الإسلامية. لقد حاولت الجمع بين الوفاء لدينها والوفاء لزوجها، ما أثار صدمة في وسطها الإسلامي لا سيما بعد أن رفض إمام المسجد إتمام الشعائر الدينية بدعوى أن المسلم لا يدفن بجوار كافر.

عود على بدء، يقضي العرف الإنساني الأكثر بداهة بأن للمحتضر حقوقا ملزمة للآخرين، على رأسها وصيته حول مكان وظروف الدفن. أظن أن احترام هذا العرف واجب إنساني لا يجب إخضاعه للمساومة؛ إنه الحق الأخير لكل إنسان.

24