الحق في اتخاذ القرار محور صراع دائم بين الشاب وعائلته

تواصل الشباب الفعّال مع محيطهم الأسري يحصّنهم من السلوكيات والممارسات المحفوفة بالمخاطر.
الأحد 2019/12/15
لا شيء ينجح بالغصب

ينتفض الكثير من الشباب عند تدخل والديهم في تسيير شؤون حيواتهم الخاصة، ويرفضون أن يقرر الكبار مصائرهم في ما يخص التخصص العلمي أو المهنة أو الزواج أو غير ذلك من شؤون حياتهم المستقبلية، ويعتبر أغلب الشباب أن من حق آبائهم وأمهاتهم التدخل في قراراتهم المصيرية بالمشورة والنصيحة، لكن ليس لديهم الحق المطلق في تقرير مستقبلهم فقط لكونهم والدين، ويشكل الحق في الاختيار وفي اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته أحد أبرز أسباب الخلافات بين الشباب وأسرهم.

تونس - كثيرا ما يردد الشباب والشابات عبارات من قبيل “من حقي أن أختار”، “من حقي أن أتخذ هذا القرار لأنه يهمني ويخص مستقبلي”، و”أنا أعرف ما يصلح بي وليس أنتم”، ويكون الرد من الطرف المقابل والذي غالبا ما يكون الوالدين والكبار من أفراد الأسرة “ما زلت صغيرا في السن”، “أنت ليس لديك الخبرات الكافية لتقرر”، “ما زلت لا تدرك حقائق الأمور”… وفي مثل هذه الحوارات تكون هناك حالة من عدم التقبل وعدم التفهم من الطرفين ما يحوّل النقاش حول القرارات الهامة في حياة الشاب إلى مصدر خلاف دائم مع العائلة.

يميل كل طرف في حال الخلاف عن الحق في الاختيار في مسائل مستقبلية مثل التخصص التعليمي أو الارتباط أو الصداقات أو السكن إلى إلقاء اللوم على الآخر واعتباره غير ملم بحيثيات الموضوع الذي يجب الحسم فيه. ويرى الكبار أن أبناءهم لا يزالون تحت وصايتهم أو أنهم غير أكفاء في اتخاذ القرار ويخافون أن يكون خيارهم سيئا ويعتبرون أنفسهم في مرتبة الشخص الأكثر خبرة والأكثر قدرة على التمييز كما أنه منوط بعهدتهم توجيه أولادهم وبناتهم نحو الخيار الأفضل.

في المقابل لا يتفق الأبناء في الغالب مع هذه الحجج ولا يفهمونها ويعتبرون أنهم أدرى بأنفسهم وبمحيطهم وهم مخولون لاتخاذ القرار الذي هو أصلا من حقهم ويرتبط بتحديد مصيرهم ومستقبلهم.

تباعد في وجهات النظر

تفسر العديد من الدراسات العلمية هذا التباعد في وجهات النظر على أنه طبيعي كونه يمكن أن يُفهم ضمن صراع الأجيال، ويؤكد خبراء وزارة الصحة والخدمات البشرية في الولايات المتحدة أنه منذ بداية فترة المراهقة تشهد علاقة الوالدين بالأبناء تغييرات كبيرة وأحيانا حادة حيث يسعى الشباب إلى زيادة استقلاليتهم عن أسرهم ويحاولون البدء في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.

ومع التقدم نحو الاستقلالية، تزيد المخاطر، ويحتاج المراهقون إلى الراشدين لمساعدتهم في التغلب على التحديات التي يواجهونها. وعلى الرغم من أن الصراع طبيعي بين المراهقين وعائلاتهم، إلا أنهم يعتمدون على الراشدين للحصول على الدعم العاطفي ووضع حدود لهم، ويرتبط الأمران بتربية المراهقين كما يجب.

حسن الاستماع لمشاغل الشباب دون مقاطعتهم والتجاوب معهم ومحاولة الآباء إخبارهم بتجاربهم في مرحلة عمرية مشابهة، يتيح لهم فرصة للتفكير قبل اتخاذ القرار

وترى فاطمة بالريش شابة تونسية مهاجرة، أن مسألة تدخل الآباء في قرارات أبنائهم المراهقين بدأت تتلاشى تدريجيا في المجتمع التونسي خاصة عندما يبلغ الأبناء مرحلة الشباب، لأن فرض الآباء لآرائهم يدمر أحلام الشاب.

وتضيف فاطمة لـ”العرب” قائلة “إن الآباء في عصرنا الراهن عانوا بدورهم من كثرة تدخل آبائهم في حيواتهم ومن فرض آرائهم عليهم ما جعلهم يميلون حسب رأيي للابتعاد عن فرض السيطرة وعن التقرير بدلا من المعني بالأمر، وكأنهم لا يرغبون في توريث نفس الشيء الذي عانوا منه لجيل المستقبل”.

وتعتبر فاطمة أنه “مهما بدا للشاب أن تفكيره صحيح وقراراته ناجحة إلا أنه -ومن خلال تجربتي الخاصة- سيكون مآله الفشل في الكثير منها طالما لم يباركها والداه ولم يدعماه فيها”. وتتابع أنه مثلا في “مسألة الزواج واختيار الشريك يرفض الشاب أو الفتاة رأي الوالدين لكن في أغلب الحالات تفشل خياراتهما الفردية، فغالبية شبان اليوم يختارون الشريك بأنفسهم”.

وتخلص فاطمة “حسب تجربتي القرارات يجب أن تكون مشتركة والوالدان يجب أن يعطيا فرصة لأبنائهما في أن يختاروا لكن دون التخلي عنهما من خلال الحفاظ على دور الرقيب ليس من باب السيطرة بل من باب إنقاذهم في الوقت المناسب”.

المساعدة في اتخاذ القرار

يعتبر مختصون في التربية أن تعامل الوالدين مع المراهقين والشباب يختلف عن تربية الأطفال الأصغر سنا، إذ تزداد لديهم أهمية مواكبة أبناء جيلهم من المراهقين الآخرين في حياتهم فيتأثرون ويؤثرون ببعضهم البعض في المظهر (مثل الملابس)، والسلوكيات (مثل اللغة والذوق الموسيقي)، والحياة الاجتماعية والعلاقات العاطفية. ومع ذلك، يلعب الآباء والأمهات دورا كبيرا في صياغة الخطط التعليمية، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ورؤية المراهقين للعالم.

ويعتبر الاختصاصي في علم الاجتماع، الطيب الطويلي، أنه مع تطور نظريات التربية ازداد تأكيدها على ضرورة التركيز على مواهب الابن والاعتناء بميوله الفنية أو الدراسية، باعتبار أن رغبته في ممارسة الشيء والقيام به يزيد من منسوبه الإبداعي ويرفع فرص نجاحه وتميزه في اختصاص بعينه. إن رغبة الشاب في اتباع اختصاص ما يقلص لديه فسحة الزمن باعتبار أنه يمكن أن يمضي الساعات في القيام بالشيء الذي يرغب فيه دون أن يشعر بوقع الزمن في حين أن نصف ساعة يقضيها في اختصاص لا يحبذه قد تشعره بالتوتر والإحباط وقلة التركيز.

ويردف الطويلي لـ”العرب” مبينا أنه في الغالب يحاول الآباء تسطير حياة أبنائهم والتدخل في أدق تفاصيلها، مرتكزين على قيم ثقافية وأسرية واجتماعية، تحاول غالبا الاستناد على أسس إعادة الإنتاج، حيث يكون الوالد راغبا في أن يرى ابنه امتدادا له، وصورة محسنة له وهو ما قد يتسبب في تحويل مسيرة الشاب أو خياراته إلى مسلك آخر غير الذي يريده لنفسه. في الزواج مثلا يكون تدخل الأسرة الممتدة في اختيار الشريك ثم في شؤون الزوجين مسببا رئيسيا للخلافات التي قد تؤدي في أحيان عديدة إلى فشل الزواج.

ويقول “في تقديري إن تدخل الآباء من المفترض أن يكون عبر الإحاطة والتوجيه دون إجبار أو سيطرة قد تؤدي عكسيا إلى الانفجار النفسي للشاب أو إلى توجهه قسرا إلى اختيارات لا يرضى بها أو نماذج مجتمعية لا يرغب فيها، فيتحول الشاب إلى مُنبتّ فكريا واجتماعيا، ويصبح في رحلة جديدة للبحث عن ذاته وعن رغباته الدفينة ويصبح بذلك فريسة سهلة قابلة لمختلف أنواع الاستقطاب للأفكار المتطرفة بمختلف أشكالها”.

ويرى فريق من المختصين في علم النفس ضمن دراسة نشرتها وزارة الصحة الأميركية أنه مع تقدّم الأطفال في السن، ينتقل الأب والأم من اتخاذ القرارات الخاصة بالصغار إلى مساعدة المراهقين على اتخاذ القرارات بأنفسهم، ويمكن للوالدين تقديم الدعم والحب الأساسيين ومساعدة الشباب على فهم كيفية تأثير خياراتهم على صحتهم ورفاهيتهم. وتظهر العديد من الأبحاث تأثير الأسرة البارز على العديد من جوانب حياة الشاب، بما في ذلك ممارسة التدخين وتعاطي الكحول والمخدرات وغيرها.

صراع الأجيال ما زال قائما نظرا لعدم تقبل الكبار للاختلاف
صراع الأجيال ما زال قائما نظرا لعدم تقبل الكبار للاختلاف

وتقول سيرين 22 سنة طالبة جامعية “إن صراع الأجيال ما زال قائما نظرا لعدم تقبل الكبار للاختلاف فما زال كلا الجيلين سواء الشباب أو الكهول لا يتقبلون طريقة عيش الطرف الآخر، ونعاني نحن الشباب من عدم تقبل آبائنا لتطورات العصر من جهة ولأننا كبرنا وأصبح بإمكاننا اتخاذ القرارات الكبرى في حياتنا، من جهة ثانية”.

وتضيف الطالبة لـ”العرب” أن “غالبية الآباء لا يتقبلون أن أطفالهم صاروا كبارا ويرونهم دائما غير قادرين على مواجهة الحياة وصعوباتها دون مساعدتهم ودون الاقتداء بهم وبتجاربهم، وفي الكثير من التجارب لاحظت أن الأب خاصة لا يقبل خيارات ابنته ويعتبرها قرارات طائشة”. وتردف سيرين “والدي الخمسيني يراني غير قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة ويعتبر أن كل ما علي فعله هو اتباع خطواته وخياراته في شتى المجالات في حياتي”.

وتشير إلى أنه حتى في اختيار الاختصاص الدراسي لا يعتبر الآباء أن من حق أبنائهم أخذ القرار وحدهم، وكذلك الزواج فالكثير من صديقاتي، لم يسمح لهن آباؤهم باختيار الزوج بحرية ويعتبر البعض منهم أن الزوج ميسور الحال هو الخيار الأفضل لبناتهم مؤكدين أن السعادة والنجاح في الحياة الزوجية رهينَا الإمكانيات المادية”.

وركّزت جملة من الدراسات على العديد من وسائل التربية التي تؤثر في حياة الشباب، وحدد علم النفس التطوري الفئات التالية لوصف هذه الوسائل المختلفة:

 الرسمية: يحمل الوالدان توقعات عالية لأبنائهما، دون أن يتجاهلا توفير الدفء والدعم اللازمين. وتتميز هذه الطريقة باتباع أسلوب مفتوح يسمح بالاتصال بين الوالدين والأبناء.

 السلطوية: يحمل الوالدان السلطويان أو الصارمان توقعات كبيرة دون تقديم الدعم الكافي، يمكن أن تكون البنية والقواعد التي يوفرها الآباء السلطويون مفيدة للشبان، ولكنها لا تتوازن مع الدعم والتواصل المفتوحين.

 التساهل: يستجيب الوالدان المتساهلان لطلبات المراهقين وغالبا ما يدللان أبناءهما. ونادرا ما يفرضان القواعد، ويمكن أن يشكل هذا النقص تحديا في المراهقة والشباب.

 الإهمال: لا يستطيع الوالدان المهملان تلبية احتياجات أبنائهما العاطفية والجسدية. ويواجه الشباب من هذه العائلات صعوبة في بناء الثقة مع أشخاص آخرين وتكوين علاقات معهم.

ترتبط الفئة الأولى، وهي نهج يجمع بين الدفء والدعم مع الانضباط والتوجيه المناسبين، بأكثر النتائج إيجابية لدى الشباب، بما في ذلك انخفاض معدلات تعاطي المخدرات والعنف والسلوكيات الجنسية المحفوفة بالمخاطر بالإضافة إلى تحسين النظام الغذائي وزيادة النشاط البدني.

من السيطرة إلى التناغم

تتطلب قدرة الوالدين على الانتقال من دور المسيطر إلى دور الصديق مهارات تواصل قوية وقدرة على وضع حدود سلوكية مناسبة في حياة المراهق. وتقول رانية متحصلة على الإجازة في اللغة الفرنسية إنها كانت تحلم بأن تعمل في مجال التعليم غير أنها وجدت نفسها موظفة في شركة خاصة بسبب تدخل والدها المفرط في قراراتها.

وتضيف لـ”العرب” قائلة “أصبحتُ عالقة في وظيفة تختلف عن آمالي المهنية. كنت أحلم بمهنة مثل التدريس ووجدت نفسي مجبرة على اتباع خطى والدي لأنها، حسب قوله، وظيفة أنجح وراتبها أفضل، واشترط عليّ أنه لا يمكنني ترك هذه الوظيفة دون أن أجد وظيفة أفضل”.

وتشير رانية أنه حتى عندما يتعلق الأمر بقرارات وخيارات عادية فإن والدها يقول “القرار يرجع لك في الأخير، أما أنا رأيي فهو…” ومن ثمة يفرض قراره بطريقة أو بأخرى و”يوهمني بأن لدي الحق في الاختيار، وحتى عندما أرغب في الخروج مع أصدقائي فهو يشترط أن يكون على معرفة بهم، وممنوع علي أن أخرج مع شباب فقط مثلا”.

تدخل الآباء من المفترض أن يكون عبر الإحاطة والتوجيه دون إجبار أو سيطرة قد يؤديان عكسيا إلى الانفجار النفسي للشاب أو إلى توجهه قسرا إلى اختيارات لا يرضى بها أو نماذج مجتمعية لا يرغب فيها، فيتحول الشاب إلى مُنبتّ فكريا واجتماعيا

ورغم صعوبة التحدث مع المراهقين والشباب يقول مختصون نفسيون أن هناك طرقا تسهل على الكبار التواصل الفعال مع المنتمين إلى هذه الفئة ومن بينها توفير الدعم والحب والتشجيع ما يجعل الشباب أكثر استعدادا لإجراء محادثات صعبة مع آبائهم عندما يثقون في أنهم لن يتوقفوا عن محبتهم مهما كان الأمر. ويوصي علماء النفس الطرفين بخلق فرص للحديث في كنف الراحة ويمكن للأنشطة المشتركة مثل ممارسة الرياضة أو غيرها أن توفر فرصة للمحادثات والتقارب.

من جانبه يقول ميلاد بن صالح موظف في شركة خاصة وأب لطالب عمره 21 سنة وطالبة في الثانوية العامة “إن الحق في الاختيار بالنسبة لي ليس مصدرا للخلافات والصراع بقدر ما هو نقاش واختلاف في وجهات النظر”، ويضيف لـ”العرب” قائلا “بالنسبة لي، فقد ربيت أطفالي منذ الصغر على استقلالية القرار يعني لا أتدخل في اختياراتهم، فقط أحاول أن أؤطر هذه الخيارات من بعيد، وألاحظ من غير تدخل في الأصل. ببساطة، أنا لا أريد أن أدخل في صراع مع أبنائي، بل أترك لهم المجال للاختيار وتحمل المسؤولية”.

ويؤكد مختصون في علم النفس أن أسلم طريقة للتعامل بين الأسرة والشباب لتجنب الخلافات تقوم على التواصل الفعال والمفتوح معتبرين أنه جوهر العلاقات الصحية بين الوالدين والمراهقين وأساسها. وتكشف العديد من البحوث أن المراهقين الذين وجدوا قدرة على التواصل مع والديهم كانوا أقل عرضة للوقوع ضحايا لمجموعة واسعة من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر مثل العنف. وتمتد هذه الفوائد لتشمل الشباب الذين يعيشون بعيدا عن أسرهم مما يجعلهم غير خاضعين لمراقبة الراشدين.

كما أن حسن الاستماع لمشاغل الشباب وأفكارهم دون مقاطعتهم والتجاوب معهم ومحاولة الآباء إخبارهم بتجاربهم والتحديات التي واجهوها وهم في مرحلة عمرية مشابهة وكيف كانت مشاعرهم آنذاك من شأن هذا الأسلوب أن يتيح لهم فرصة للتفكير والتمهل قبل اتخاذ القرار.

وعند التحدث مع الشاب حول اتخاذ قرار ما، يمكن للوالدين طرح أسئلة مفتوحة تحمله على النظر إلى المسائل من زوايا متعددة ربما لم يفكر فيها دون التسرع بإخباره بما يجب عليه فعله. فالأسئلة تدعوه إلى التفكير في الاحتمالات الموجودة أمامه. وهو ما يعلمه تقييم الخسائر والفوائد قبل اتخاذ القرار، وهي مهارة أساسية في سن الرشد.

وينهى المختصون عن المبالغة في ردة الفعل تجاه أخطاء الشباب أو تجاه مواقفهم أو آرائهم التي تبدو للوالدين غير مستساغة أو مزعجة. ومن أهم النصائح التي يركز عليها المختصون النفسيون والتي يبدو أن عليهم تذكير الآباء في الأسر العربية بها، هي: التحدث مع الأبناء عن المواضيع الحساسة والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر بصراحة، قبل أن يفوت الأوان ومنذ سن المراهقة، عبر تشريكهم في إبداء الرأي فيها مثل مواضيع الجنس وتعاطي المخدرات وغيرهما من المواضيع الحساسة، ويفضل أن يكون ذلك في مرحلة مبكرة دون تأجيل لكي لا يبحث المراهق عن المعلومة الصحيحة لدى مصادر غير مؤهلة أو مغالطة لكي يكون عندهم تكوين كاف ودراية بالمخاطر عند أخذ قرارات في مسائل على صلة بهذه المواضيع ومن بينها قرار الزواج.

19