الحق في التقدير

كلمة "شكرا" تحمل عدة معان محسوسة، تتمخض عن وقع أحرفها المنطوقة، لترتبط بالكثير من الإيجابيات، خصوصا إذا تبناها الشخص كنوع من الممارسة اليومية في حياته.
الجمعة 2019/06/07
للعرفان بالجميل تأثير محفز لطاقة الدماغ الإيجابية

كم مرة في اليوم نقول كلمة “شكرا” أو بعض كلمات الثناء، لنعبر بها عن الامتنان والعرفان بالجميل لأشخاص قدموا لنا معروفا صغيرا أو كبيرا؟

أعتقد أن كلمة “شكرا” قد أصبحت نادرة التردد في العديد من الأوساط الأسرية والاجتماعية وبيئات العمل العربية، وربما الكثيرون ينظرون إليها على أنها مجرد مفردات عابرة ولا طائل من ورائها، ولذلك فهي محدودة الاستعمال في قاموس ألفاظهم اليومي.

فلو ألقينا مثلا، نظرة عامة على طريقة التعامل التي تسود داخل الآسر، فسنجد أن المرأة تبذل كل ما في وسعها وتعمل بشكل متواصل، وبكل جد وأكثر من طاقتها أحيانا، لدرجة تجعلها تتخلى عن علاقتها بأصدقائها وأنشطتها، بل حتى أنها تحرم أحيانا من تناول الطعام، في سبيل توفير سبل الراحة لزوجها وأبنائها، لكن في الغالب لا أحد يقول لها “شكرا”. والسبب؟ أن الجميع يرون أن ما تقوم به من أعمال واجب عليها وفرض إلزامي، لا تستحق عليه الشكر والثناء، ما يحرمها بالتالي من الشعور بمتعة تلك الإنجازات، ومن أن تقدرها حق قدرها، بغض النظر عن الجهد الكبير الذي تبذله، والوقت الذي تقضيه في إنجاز ذلك الكم الهائل من الأعمال المنزلية، وستشعر كما لو أنها تطارد السراب في الصحراء القاحلة، وتخور قواها ولا تصل إليه.

بطبيعة الحال، ما أتحدث عنه هو تقديرٌ لما هو شائعٌ، لكن هذا لا ينفي أن هناك من يعامل زوجته معاملة حسنة ويظهر لها التقدير والاحترام بالقول والفعل على حد سواء.

أما أوساط العمل فتغيب عن معظمها، روح الزمالة ويغلب عليها التوجس من الآخر، والمواقف المعادية، وقلما يظهر الزملاء الامتنان والشكر لبعضهم البعض، كما لا يضعون العمل الجماعي المنتج ضمن أولوياتهم، وبدلا من ذلك نجدهم يركزون على الظهور بمنزلة أكثر أهمية من زملائهم.

وبالطبع ستكون لذلك تداعيات سلبية. فالأشخاص الذين تنطوي تصرفاتهم على سلوكيات عدوانية سيساهمون في خلق أجواء من التوتر تضر بالموظفين وبمؤسسة العمل. لا شيء يجعل زملاء العمل يشعرون بالارتباط أكثر من بضع كلمات تعبر عن الامتنان والتقدير لبعضهم البعض. فهذا التصرف البسيط الدال على دماثة الأخلاق، يخلق صداقة حميمة ويساهم في خلق شعور بوحدة الهدف‫.

يجب أن نكون أكثر امتنانا تجاه الأشخاص والأشياء الجيدة في حياتنا، والأمر يتوقف على تغيير بسيط في رأينا أو في الزاوية الضيقة التي ننظر بها للأمور، وعندها سنجد أن لدينا الكثير والكثير من الأشياء العظيمة التي تستحق الثناء والتقدير

كلمة “شكرا” تحمل عدة معان محسوسة، تتمخض عن وقع أحرفها المنطوقة، لترتبط بالكثير من الإيجابيات، خصوصا إذا تبناها الشخص كنوع من الممارسة اليومية في حياته، وخرجت من قلبه وليس فقط عبر لسانه.

وتشير الإحصائيات إلى أن مفردتي آسف وشكرا من بين أكثر الكلمات تداولا في القاموس اليومي لدى البريطانيين، بل إن البعض يحلو له أن يسمي البريطانيين بشعب “sorry” أي آسف.

ومن المهم أن نتعلم من هذه السلوكيات الحميدة، وإذا عودنا أنفسنا على ذلك، فسوف يصبح هذا هو الوضع الافتراضي لعقليتنا، وسيدفعنا ذلك للتصرف بنفس الطريقة في مواقف حياتنا المختلفة.

نحن والآخرون، في حاجة دائمة إلى عبارات الشكر والتقدير على نحو متواتر، فلهذه الإثابة غير المادية والاستحسان اللفظي، فاعلية كبيرة في حملنا على تقديم أداء أفضل في عملنا، والأهم من هذا كله أنها تخلق شعورا أكثر إيجابية إزاء الأشخاص الذين عبّروا لنا عن العرفان بالجميل، وتلعب دورا مهما في القبول والترابط الاجتماعي وبناء الثقة بين الناس.

يُقال “من يزرع المعروف يحصد الشكر”، أما من يزرع الشكر فإنه يحس بنوع من اللذة، وهذه اللذة تساعد على تخفيض إفراز هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر.

ويبدو أن هناك إثباتا علميا لذلك، فقد وجدت الأبحاث أن للعرفان بالجميل تأثيرا محفزا لطاقة الدماغ الإيجابية، مما يساعد الإنسان على المزيد من العطاء والإبداع. كما وجدت بعض الدراسات أن الثناء على ذكاء الطفل، سواء من قبل المعلمين أو الآباء، يهدف إلى تطوير “عقلية النمو”، إذ يصبح الطفل أكثر حماسا للتعلم.

ولهذا ليس من المستغرب أن يضع عالم النفس الأميركي ابراهام ماسلو “الحاجة إلى التقدير” في قائمة الاحتياجات الإنسانية الأساسية في النظرية النفسية التي قدّمها في ورقته البحثيّة “نظريّة الدافع البشري” عام 1943 في دورية “المراجعة النفسية” العلمية.

 وفي رأيي الشخصي يجب أن نكون أكثر امتنانا تجاه الأشخاص والأشياء الجيدة في حياتنا، والأمر يتوقف على تغيير بسيط في رأينا أو في الزاوية الضيقة التي ننظر بها للأمور، وعندها سنجد أن لدينا الكثير والكثير من الأشياء العظيمة التي تستحق الثناء والتقدير.

21