الحق في الحياة سلعة في المزادات

كيف تضع دولة تحترم مواطنيها بكل انتماءاتهم وفئاتهم نظاما صحيا يخضع فيه الحق في الحياة للسمسرة.
الثلاثاء 2018/07/17
الحياة سلعة تباع وتشترى

يزور شاب يافع كل يوم أمه التي تلزم فراش المرض في المستشفى. يأتيها كل يوم بما تحتاج إليه وبما استطاع توفيره لها من طعام وشراب وثياب وغيرها. وقد يأخذ معه ما يفيض عن حاجاتها لكي تسعد به قلوب رفيقاتها في الغرفة أو في غيرها من غرف قسم المستشفى الذي ترقد فيه. يأتي إليها ملهوفا متشوقا وخائفا ومتوترا من زحمة الحركة المرورية ومن زحمة المستشفى ومن زحمة الهواجس والأفكار التي ثقل بها عقله وضاق منها صدره.

يزورها كل يوم آملا أن تخفف معاناتها مع المرض وتنتهي إلى الأبد، راجيا أن تُجرى لها العملية الجراحية التي يمكن أن تسترجع بعدها صحتها ويمكن أن تعيدها إلى بيتها وإلى أحضان أسرتها وترجع لأبنائها نعمة الاطمئنان في حضنها. آمال كثيرة تقوده يوميا إلى المستشفى الموجود في أكثر مناطق العاصمة اكتظاظا واختناقا مروريا وهو متفائل بالرغم من كل شيء.

الحق في الحياة يباع في المزادات ويرتهن هو الآخر بالمزايدات. هذه خلاصة رحلته اليومية إلى المستشفى التي امتدت لأسابيع. لا حلول أخرى ولا سبيل آخر فإما الصبر والانتظار لعل العلاج يسبق الموت وإما أن تدفع الرشاوى ويكون المبلغ محترما مقابل حقك في الحياة وإما أن تتصل بمن يتصل لك بمدير أو رئيس مصلحة أو موظف راق في الوزارة المسؤولة عن الصحة (بالتالي عن الحياة) ليتصل بدوره بمقرري وواضعي برامج العمليات الجراحية في المستشفى.

وينجح الحلان الأخيران هنا بالتقديرات الكمية فبحسب المبالغ المدفوعة وبحسب علو مرتبة الواسطة تضبط رزنامة العمليات الجراحية وتحجز الأولوية في الحياة. عليك أن تشتري حقك في الحياة التي وهبها الله لك. ويجب أن تفهم أن هذا الحق أصبح اليوم سلعة تباع وتشترى.

رفض هؤلاء الذين وجدتهم في طريق المرض القاتل أن يبيعوها لك دون مقابل. المقابل يحدد وفق درجات طمعهم ووفق طموحاتهم المالية وليس وفق درجة خطورة وضعك الصحي ولا حسب إمكانياتك. يتساءل الابن وهو يخمن في الحل الذي عساه ينقذ والدته من مرضها القاتل أليس حراما دينيا وإنسانيا أن تباع الحياة ويشترى الحق فيها؟ كيف تضع دولة تحترم مواطنيها بكل انتماءاتهم وفئاتهم نظاما صحيا يخضع فيه الحق في الحياة للسمسرة؟

عجز عن دفع الثمن لفقره، وعجز عن إيجاد الواسطة لأنه مواطن من العوام الذين لا علاقة لهم بنخبة المجتمع. عصفت بذهنه أفكار أخرى أكثر سوادا من التي سبقتها؛ لو استفحل المرض بأمه وتوفيت ما عساه يفعل؟ كيف يعيش من دونها؟ هل يصارح إخوته يتامى الأب ويقول لهم لقد عجزت عن شراء حق أمكم في الحياة وحقوقكم في الاستمتاع بحياتكم معها، لم أستطع شراء بضعة أيام أخرى لتعيشها بيننا، سوف تصبحون يتامى الأب والأم أيضا؟… أم يصمت ويكتفي بأن يقول لهم إنكم تونسيون وفقراء أيضا وهما معطيان كافيان لأن تقتنعوا بأن حقكم في الحياة وفي أمكم لم يعد حقا بل سلعة قد يحول العجز دونكم ودون اقتنائها وشرائها كغيرها من السلع.

21