"الحق في الكسل" كتاب بول لافارغ المربك للعالم

الكتاب يندرج في سياقه التاريخي ضمن نضالات سياسيّة مريرة، انتهت بإقرار إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية تهم العمال.
السبت 2021/02/20
الكسل ضد التطرف في الاستغلال (فان غوغ)

كتاب "الحق في الكسل" للعبقري الفرنسي بول لافارغ أشبه بمكعب يقرأ على أكثر من وجهة وجانب. ونحن نحتاج إلى مراجعته الآن في ظل تنامي الكسل الذي يضمن للآخرين المزيد من الربح. والربح الوفير يحقق المزيد من الكسل لأصحابه. إنها متاهة يثيرها زوج لورا ماركس عن حقّ الكسل.

“وحدهم الفقراء يستيقظون باكرا كي لا يسبقهم إلى الشقاء أحد”.. هذا ما قاله الشاعر والكاتب السوري محمد الماغوط (1934 ـ 2006)، وكأنه يختصر ما أراد الكاتب والصحافي والناشط والمناضل اليساري الفرنسي بول لافارغ (1842- 1911) زوج لورا ماركس، ابنة منظر الاشتراكية والزعيم الشيوعي كارل ماركس، في كتابه الشهير “الحق في الكسل”.

رمية دون رام

ظل الكتاب الذي ألفه صهر ماركس، سنة 1880 يتردد على الساحة الفكرية الأوربية لما يزيد على قرن من الزمن، تحت عنوان غريب المحتوى ومثير للجدل الفكري والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي بشكل عام.

            شهـــــــــادات

أصبح العنوان مجالا للتندّر ورواية النكت والطرائف لمن لم يقرأه، وأمسى حجّة واهية لمن يريد الدفاع عن الكسل، ويبرر عدم قدرته على المبادرة، لكن مضمونه يشي بحقائق واعترافات وتحليلات قلّ مثيلها.

لم يكن الكتاب بمثابة “رمية دون رام” بل جاء ردّا سجاليا على لويس بلان الاقتصادي الاشتراكي الإصلاحي مؤلّف كتاب “الحق في العمل”.

لم يكن لافارغ، يمزح في هذا الصدد، وجاء مؤلفه في إطار غضبه اللاذع على أولئك الذين يدجّجون الطبقة العاملة بشتى أنواع التسليح والتقوية على نظرائهم المستضعفين والإيحاء إليهم بأن قدرهم هو العمل.. ولا شيء غير العمل.

هذه البرمجة الأيديولوجية الهادفة إلى الرفع من مردودية العمل والإنتاج إلى الحدّ الأقصى، لصالح الطبقة المسيطرة، مقابل إنهاك قواها الحيوية وحرمانها من كل متع الحياة وأفراحها دون شفقة ولا رحمة، بنظرة ربحية صرفة، تهدف إلى “أن تجعل من العامل مجرّد آلة منتجة تجرده من إنسانيته لمراكمة الخيرات والمنافع حتى تستمتع بها الطبقة الرأسمالية وحدها دون غيرها” كما يرى المحللون، تشبه تلك القصيدة التي قالها المصري أحمد شوقي، الملقب بأمير الشعراء، والتي تحث على بذل المزيد من الجهد والتفاني في خدمة الصناعيين والإقطاعيين في عشرينات القرن الماضي “أيها العمال افنوا العمر كَدّاً وَاِكتِسابا/، وَاِعمُروا الأَرضَ فَلَولا سَعيُكُم أَمسَت يَبابا/، إِنَّ لي نُصحاً إِلَيكُم إِن أَذِنتُم وَعِتابا/ في زَمانٍ غَبِيَ الناصِحُ فيهِ أَو تَغابى/. أَينَ أَنتُم مِن جُدودٍ خَلَّدوا هَذا التُرابا/ قَلَّدوهُ الأَثَرَ المُعجِزَ وَالفَنَّ العُجابا”.

هذه القصيدة، مثلا، والتي كانت مبرمجة في المقررات الدراسية بالتعليم الثانوي التونسي في سبعينات القرن الماضي، كانت المنظمة النقابية التونسية المعروفة بـ”الاتحاد العام التونسي للشغل” قد تدخلت ـ وبكل ثقلها ـ لإلغائها ومحوها من الكتب المدرسية مع غيرها من النصوص التي تنتقد العمال، وحتى تكاسل البعض منهم.

كتاب “الحق في الكسل”، جاء في هذا الإطار الذي يدافع فيه الكاتب عن حق العمال المشروع في أيام الراحة والعطل والأعياد، في التمتع بنوع من “الكسل المحمود” وليس بالمفهوم الأخلاقي السائد.

ردّ ثوري

لا شك أن لافارغ، قد ألبس كتابه عنوانا مثيرا وسريع التعلق بالذهن والذاكرة، لكنه لا يقصد بالتأكيد، ذلك الكسل الذي تنتقده جميع الفئات الاجتماعية والمنظومات الأخلاقية، وتعتبره عائقا أمام التنمية والتطور.

الكتاب في حقيقة الأمر هو عبارة عن ردّ ثوري ارتبط بظرفيه الزمني والمكاني، على معرقلي المطالبة بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية لحقوق العمال، في أوج التصادم الفكري الليبرالي/ الاشتراكي، الذي تجلى في محيط لافارغ، بالمطالبة بحق العطلة وعطل نهاية الأسبوع وتقليص عدد ساعات العمل وغيرها من الحقوق الأساسية للعامل المواطن في خضم ظهور البروليتاريا، مع تطور النهضة الصناعية الأوروبية وعصر الآلة، كما ورد في المراجع والمصادر التي تخصّ ذلك العصر.

ويرى المناضل اليساري الفرنسي المثير للجدل، أن “الكسل” مصدر مهمّ للتقدم البشري، وذلك على اعتبار أن الكائن البشري يستحق هذه الراحة التي لا بدّ منها كشرط أساسي للإبداع، ذلك أن الإنسان الذي لا يتمتع بقدر كاف من الراحة، لا يمكن له أن يبدع ويتقدم ضمن خطط إنتاجية تعوّل عليها الدول والمجتمعات.

العمل في نظر لافارغ، يصبح مرضا عضالا، في حالة الإدمان عليه، ويصبح مصدر تعطيل للإنتاج والإنتاجية بدل أن يكون محفزا، ذلك أن النفوس تقنط ساعة بعد ساعة، فكان من الواجب إراحتها كما ورد في الأثر العربي.

كتاب

كلنا نرى الآثار السلبية التي يتركها الإدمان على العمل في المجتمعات التي تحكمها أنظمة رأسمالية أو اشتراكية على حدّ سواء، وذلك إن كان بالتعبئة العقائدية والأيديولوجية كما تفعل المنظومات الشمولية أو بالإغراءات المالية كما هو الشأن بالنسبة إلى الدول الرأسمالية التي ترفع العمل إلى درجة التقديس.

قدماء اليونان كان لهم وجهة نظر قد تؤخذ بعين الاعتبار، حسب رأي الكاتب، فعلى الرغم من التركيبة الطبقية للمجتمع، فإن الإغريق اعتبروا العمل أمرا يخصّ العبيد والفئات المستضعفة، وقال هؤلاء بإعلاء شأن التفكير وفنون القول والرسم والنحت، معتبرين ذلك من هبات الآلهة، بينما ازدرى الكثير منهم العمل العضلي واعتبروه ضربا من الشقاء المجاني إن لم تكن تصاحبه غاية سامية وراقية.

طبعا لا يمكن لرجل تزوّج ابنة كارل ماركس، أن يحط من شأن العمل كقيمة مضافة تقدر بالمال وتساهم في تطوير المجتمعات ورقيها، لكنه يلفت الانتباه في هذا الكتاب الإشكالي، إلى أن العمل كحالة شقاء فردي وجماعي ليس غاية من نضالات الطبقة الكادحة، بل على الأخيرة أن تتفطن إلى أن الراحة تصنع التقدم والرفاهية وليس عبادة العمل لأجل العمل.

ولا يتوانى لافارغ، من استدعاء الأمثلة والنماذج من الحضارة اليونانية مستشهدا بمقولة شيشرون “المواطن الذي يكرس ماهية وجوده بالعمل مقابل مال يحط نفسه إلى رتبة العبيد”.

كونوا كسالى

بول لافارغ، لا يمزح كما يخطر في بال البعض بل ينبه إلى أن “الكسل يمكن أن يصلح شعارا ضدّ تطرف الاستغلال” ذلك أن الفئات المهيمنة والمتحكمة في رأس المال، يمكن أن تجعل من العمل عقيدة مقدسة في أذهان البسطاء من البروليتاريا الرثة، وتلهيهم عن قضايا أساسية وجوهرية صلب الكائن البشري كتربية الأطفال والعناية بأشياء ذات قيمة جمالية وحياتية.

وفي هذا الصدد فسّر الباحث التونسي، وخبير التربية والأسرة إبراهيم ريحاني، مفهوم الرفاه الاجتماعي، بالعمل على ترسيخ دور الأسرة والمدرسة في التنشئة السليمة، من خلال تقليل ساعات العمل حتى يتسنى للوالدين الاهتمام بأبنائهم بعيدا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ولتكون بذلك العائلة أولى آليات إصلاح منظومة الطفولة.

وأضاف الباحث التونسي إنه “يجب كذلك التقليص في الزمن المدرسي وترسيخ مفهوم المدرسة الصديقة عن طريق التخفيض من ساعات التعلم وإحداث نوادٍ وورشات فاعلة صلب المؤسسات التربوية لتساهم في صقل المهارات الحياتية للناشئة خاصة في السنوات الأولى من العمر”.

هذا التصريح يتفق مع ما ذهب إليه لافارغ، منذ ما يقارب القرن ونصف القرن من الزمن، فكان كتاب “الحق في الكسل” يندرج في سياقه التاريخي ضمن نضالات سياسيّة مريرة، انتهت بإقرار قانون عطل نهاية الأسبوع المدفوع الأجر، والعطل السنوية والوطنية، وإقرار حق عطلة المرض والتطبيب المدفوع الأجر، وتقليص ساعات أوقات العمل اليومي، وحق تعميم الرفاه ووسائل الراحة في التنقل والسفر على جميع فئات المجتمع.

“كونوا كُسالى واستغلّوا كلّ دقيقة من وجودكم لتكونوا أنتم كنز أنفسكم الوحيد”.. ما أعمق هذه المقولة التي تقترب من الشعر في كتاب صهر كارل ماركس، ذي المزاج الفرنسي الذي لم تؤثر فيه الصرامة الألمانية. ويذكّر بشعار مارتن لوثر كينغ “كن سيّد نفسك فلست قيمة مضافة”.

الراحة شرط أساسي للإبداع (لؤي كيالي)
الراحة شرط أساسي للإبداع (لؤي كيالي)

البعد الإنساني هو الذي أكسب الكتاب قيمته المعرفية، وجعله محطّ أنظار العديد من الدارسين، لأنه لم يمجد العمل على غرار تلك الكتب الحمراء التي تقدس قيمة العمل ضمن منشورات دار التقدم السوفييتية السابقة، ولا مساندا لمقولات ثورجية تسوّق لها أنظمة شمولية على شاكلة كوريا الشمالية، لكن الكتاب وقفة تأمل، في صياغة أقرب إلى الشعرية، من مفكر اقترب من روح كارل ماركس الفيلسوف وليس المنظر الأيديولوجي.

أحب المتحمسون كتبا على غرار “ما العمل” و”خطوتان إلى الأمام خطوة إلى الوراء” للزعيم الروسي لينين، أو كتابات وكراسات ماو تسي تونغ، وهوشي منه، كيميل سونغ، لكنهم لم يتوقفوا عند “الحق في الكسل”، لأن العامة تتعلق بالشعارات، ولا تنتبه إلى من يدعوها إلى التعقل والتفكر برأس باردة وقلب دافئ.يستنتج لافارغ ـ وبعبقرية قلّ نظيرها ـ أن مصدر الحب السخيف للعمل، إلى حدّ تحويله إلى ديانة تشمل البشرية جمعاء، جاء في الأصل من “رجال الدين والاقتصاديين وصناع الأخلاق”، وهو مجرد غطاء أيديولوجي يهدف إلى رفع الإنتاجية نحو أقصى حدّ على حساب الطبقة العاملة مع إنهاك قواها وحرمانها من متع الحياة وأفراحها وتحويلها دون شفقة ولا رحمة، إلى مجرد آلة للربح يستفيد منها فقط أصحاب رأس المال.

ويمضي صاحب “الحق في الكسل” بعيدا في تذوق الزمن، والاستمتاع به قطرة بعد قطرة في تصادم عنيف مع أصحاب الأيديولوجيات المناصرة لاستعباد الكائن البشري، والتعامل معه كآلة لا تكلّ ولا تملّ، ولا تجد راحتها إلا في القبر.

في عالمنا العربي يحاول البعض من المزايدين الادعاء بأنهم يقدسون العمل وفق النموذج الألماني أو الياباني دون أن ينتبهوا إلى خطورة ما يدعون إليه وسط تركيبة اجتماعية تتميز بالركون إلى الروحانيات ومغازلة الطمأنينة الأبدية في دعة وسكون كما هو الشأن في لوحة الفنان الهولندي الشهير فان كوخ، المسماة بـ”لكسل”، والتي نشاهد فيها استرخاء الكائن البشري على طريقته القلقة، بينما تقف حيوانات في الخلفية على قوائمها الأربع وسط مرج أصفر على الطريقة الفانكوخية، لا يوحي إلا بالقلق والتردد.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث محمد أشرف، في قراءة ومقاربة معمقة بين لافارغ، وعالمنا العربي “يعد الكسل من المحظورات في عالمنا الاجتماعي، الكسول رمز وفيّ للتعاسة يحتاج يد المساعدة لانتشاله من الضياع، يكفي أن تقول: أفضلّ ألّا أفعل”. ويستطرد أشرف قائلا “وقبل أن تكمل الجملة ستحاصر من أمثال ستولتز صديق إيليا إيليتش أوبلوموف الشخصية الرئيسية في رواية أوبلوموف، للكاتب الروسي إيفان غونتشاروف، إذ حاول بمختلف الطرق إنقاذه من طريق الضلال هذا بأن أصبح مثله بعقلية ألمانية تقدس العمل وترفض بشكل قاطع مظاهر الكسل”.

ويختتم الباحث قراءته النقدية لكتاب “الحق في الكسل” بقوله “يبدو أن الغيمة التي تغطي العالم الآن فرضت العودة إلى كتابات لافارغ لإزالة الطابع البديهي لتقديس العمل، والتوقف عن المطالبة باللحاق بركب العالم، واستدراك الفرص”، مضيفا “آن الأوان لإلقاء اللافتات المطالبة بالحق في العمل في أقرب سلة مهملات وكتابة أخرى جديدة رافعة شعار المساواة في الكسل والعمل دون تمييز اجتماعي”.

أكثر من وجه

المسألة قد تبدو محفوفة بالمخاطر وتجرّ إلى منزلقات كثيرة منها تقديس الكسل ونبذ العمل، وذلك على خلفية خنوع الإنسان بطبعه في عالمنا العربي لعقلية الكسل والاتكاء، لكن الموضوع أعقد من ذلك بكثير، ويتناول خفايا العقلية التي تزرع تقديس العمل لدى بسطاء الناس كمحاولة لإنقاذ أنفسهم وفرض السيطرة على بسطاء الفئات الاجتماعية الهشة باسم حمايتهم من الفقر والخصاصة.

العمل في نظر لافارغ، يصبح مرضا عضالا، في حالة الإدمان عليه، ويصبح مصدر تعطيل للإنتاج والإنتاجية

الأعمق من ذلك كله أن بول لافارغ، كان يدعو إلى تقديس الزمن الذي لا ثمن له، ويأخذ بيد القارئ نحو فلسفة أشدّ تعقيدا وعمقا من مجرد الدعوة إلى الامتناع عن العمل، لأنه قد أدرك قبل غيره ـ وهو الماركسي الحاذق انتماء وانتسابا وفلسفة ـ إلى أن العمل بضاعة تُبتاع وتُشترى في الأسواق كما انتبه إليها ابن خلدون قبل قرون.

ثمة أكثر من سبب وجيه يدعونا هذه الأيام، إلى قراءة لافارغ، وتثمين كتابه “الحق في الكسل”، أول هذه الأسباب وآخرها هو أن العمل لم يعد موجودا أصلا كي نقدسه أو نزدريه، خصوصا وسط هذه الجائحة التي لم تشجع إلا على تجارة التوابيت واللقاحات، والتسوّق عبر عمالقة سماسرة الإنترنت، ثم إن الحق في الكسل صار متاحا للجميع، ولكن أين الحق في العمل؟

ومن طريف المفارقات أنّ هذا الكاتب والصحافي والفيلسوف الماركسي، الذي رثاه لينين أبلغ رثاء، اختار أن ينتحر وزوجته، حتّى لا يعيشا أرذل العمر “عندما يتخلّى عنّا جسدنا، ويتركنا وحدنا لمصيرنا” كما ورد في رسالتهما.

16