الحكام الدعاة والحفر في خزين الماضي

الجمعة 2013/11/08

اللهُ مَحبَّاتٌ، بل هو أسهل المحبّات. وإنّ من أسبابِ حُبِّ الناسِ له أنّه ظهرَ في تاريخ البشرية عبرَ فكرةٍ جماعيّةٍ خاليةٍ من عُقودِ الملكيّةِ والكراء، فلم يستأثر بهذه الفكرة كائنٌ مفرَد حتى لا يسوِّقَها بيننا في مزاداتٍ خِطابية. ذلك أنّ الله معنى سابحٌ في فضاءِ الكونِ لا يحتاجُ إلى أشكالٍ يُصبُّ فيها وتُنبئُ بوجوده، بل هو موجودٌ حيث يُوَلّي الآدميّ وجهَه. وإذن، فنحن لا نحتاجُ إلى أدِلاَّء إليه أو عليه، يكفي أن نتمثّل مفاهيمَ الحبّ والخيرِ والسَّماحةِ والعدلِ والحريّةِ حتى يحضُرَ الله فينا بكمالِه وجَمالِه. كلُّ طُرُقِ المَحبّةِ تُوصلُ إلى اللهِ، ولا نظنُّ الإنسانَ مُحتاجًا إلى خريطةِ طريقٍ كيْ يؤمن به، ويتحرَّرَ من شحنة الخوفِ والرهبة التي في قَدَاسته.

ثارت شعوبنا على واقعها وسدنته من الطغاة، وسالت جراء ذلك دماؤها، أو هي تسيل الآن، وقال الجميع إن للثورة ثمنا، وقبل الناس الثمن. وجاءت حكومات جديدة نتاجا لتلك الثورات، واستبشر الناس بمجيئها لكونها سترفع عنهم الخوف، وستحفزهم للثورة على أنفسهم وما سكن فيها من تصوّرات عن الكون والوجود بالية. ولكنّ الظن العربي مريض بالخيبة المزمنة. إذ، ما إن تربّع الحكّام/الدعاة الجدد على عروشهم التي وصلوا إليها، سهوًا رهوًا، حتى سارعوا إلى الحفر في خزين الماضي باحثين عن طريق سريعة توصل إلى الجنة، يصفونها في خطابات لهم ترهب الناس من حاضرهم وترغّبهم في العودة إلى عصورِ الغيب، سالكين في ذلك سبيل الدعوةِ إلى الله، وزحزحة الناس عن مهاوي النار، والحال أنّ الله فينا والجنة فينا بكل ما فيها من متخيَّلات.

ولا نظنّ حرص هؤلاء الحكّام/الدعاة على إدخالنا جنّتهم، والحال أن الدخول إلى الجنّة فعل تنافسيّ يغيب فيه الإيثار على النفس، إلاّ سعيا منهم إلى تحقيقِ مآربهم في إحكام سيطرتهم على مصائرِ الناسِ من خلال أحزابٍ إيمانيّةٍ وحكوماتٍ للتقوى. وهم يقدّرون أن بلوغ غايتهم لا يتمّ إلاّ عبرَ شَقِّ صفِّ المجموعةِ البشريّةِ وقطعِ ألسنةِ التواصلِ بينهم وتوزيعهم إلى مؤمنين أخيارٍ وكُفّارٍ أشرارٍ، ويبثّون بينهم عادةَ الفِتْنةِ العُضالِ فيُضطرّ الناسُ إلى القبولِ بمَنْ يُقْترَحُ عليهم من الحُكّامِ ليس خوفًا منهم فقط وإنّما خوفًا من بعضهم بعضًا. ومتى وقع الناسُ في لُعبةِ الخوفِ المُتبادَلِ، بل والاتجار به في الساحات والميادين وفضاءات الإعلام، أمكنَ لأصحابِ تلك المذاهب أو حكومات التقوى أن يحتازوا فضاءَ الغيبِ لتبريرِ سيطرتهم على ساكنات الأرض، وأن يمنعوا عنّا نعمةَ الاختلافِ عبر تضخيمِ خوفنا من الخِلافِ. هل ما تدعو إليه حكوماتنا الإسلامية خادم للدّين؟ وهل ما نعيش اليوم من هجمة الغيب على عقول المواطنين العرب أمر طارئ على ثقافتنا؟ إنّ في أزمنة ما بعد بيعة أبي بكر، ما يجلي استثمار السياسيّ للخطاب الدّيني المحمول في القرآن والسنة منذ العام الثالث عشر هجريا، ومن وقتها لم ينفكّ ساسة المسلمين يوجّهون الدّين وجهات خادمة لعروشهم. هؤلاءِ الساسة، هم الذين يسعون إلى تشويه أجمل صورة يمكن أن يتخيّلها مؤمن لربّه بصورة هي من نسج تهويماتهم دونما رادِعٌ أخلاقيّ، بل هم لا يقومون الليلَ إلاّ ليستَوْلوا على عرش مِخْيالِنا الدّينيّ ونحن مطْمئنّونَ إلى فرطِ يقيننا في قداسة الدّين، ثم هم يُعلّبونَ تصوّراتهم بصَديدِ رغائبهم الدّنيويّةِ ويعرضونَها علينا بِضاعةً للاستعمالِ الإيمانِيِّ، ومتى عزف واحدٌ من الناسِ عن بضاعتهم، لإحساسِه بنزاهة الخالق، أفتوا بخروجه عن شروطِ المِلّةِ والأُمّة.


كاتب تونسي

9