الحكام القتلة

الخميس 2013/12/19

من منّا لا يذكر خطاب القذافي وهو يعطي أمره بالزحف على ثوار 17 فبراير في نبرة موتورة زاعقة وقبضته مرفوعة إلى السماء تواجه أعداء يدركهم وعيه ولا يتبينهم بصره: “إلى الأمام، إلى الأمام، ثورة ثورة!” وكان قبلها بدقائق قد أطلق قولته الشهيرة في صيغة سؤال إنكاري: “من أنتم؟” أي أنه أنكر على الشباب الليبي حقهم في حياة كريمة، وأنكر عليهم مواطنتهم ناعتا إياهم بالجرذان. ثمّ وضع تهديده موضع التنفيذ، فأطلق قواته وميلشياته ومرتزقة استقدمهم من أفريقيا وأوروبا الشرقية وحتى من آسيا في ما روى الملاحظون، لإبادة المتمردين بشتى أنواع الأسلحة التي كدّسها طوال سنوات حكمه، ولم يتورّع عن استعمال سلاح آخر يلجأ إليه الطغاة لكسر شوكة خصومهم، وهو الاغتصاب.وبما أن الحالة الليبية ليست معزولة للأسف، فقد انكبّ الخبراء والباحثون وحتى علماء النفس على هذا العنف الذي يسلطه الحكام على شعوبهم، دونما شفقة ولا رحمة.

هذا مثلا الفرنسي جاك سيملان المؤرخ وخبير البحوث والدراسات العالمية بمعهد العلوم السياسية بباريس، يفسر في كتابه “التطهير والتدمير. الاستعمالات السياسية للتقتيل والإبادة” عمليةَ القتل الجماعي بكونها تتعدّى المنطق السياسي الذي يدفع الحاكم إلى إبادة شعبه للبقاء في السلطة، ويعزو ذلك إلى بعد آخر سيكولوجي. فقد لاحظ أن خطاب الحاكم السفّاح وخطاب منفذي أوامره يحتويان دائما على عناصر بَارانويا، حيث ينظر إلى العدو كرمز للشر وحليف للشيطان. وعادة ما يكون تمثل الآخر على هذا النحو مشفوعا بتجريده من إنسانيته، حيث يوصف بالحشرة والجرذ والأفعى، ومشفوعا أيضا بنزعه من فرديته، فلا ينظر إليه كفرد أو مواطن، بل كعدو غائم السمات مسكون بنزعة شريرة، لا فرق بينه وبين من يقفون في الصف المقابل. وهو أمر يسميه سيملان بـ”العقلانية الهاذية”، التي تنطبق على الثورة الليبية، حيث قابل الثوار العنف المفرط بعنف كان مصرع القذافي مثالا عن بشاعته.

ولنا مثال آخر في ما يجري في سوريا الآن، فقد استفحل النزاع إلى حدّ غابت معه الغاية الأصلية (انتزاع السلطة بالنسبة إلى المعارضة، والتمسك بها بالنسبة للنظام الحاكم)، فقوبلت المجازر بالمجازر والفظائع بما هو أفظع في دوامة عنف متصاعدة يتنافس فيها الطرفان المتصارعان، النظام والمعارضة، حتى جاوزت الوسائلُ المعتمدة الهدفَ المرسوم في البداية، وآخر تقارير المنظمات الدولية تسجل تفاقم “جرائم الحرب” المرتكبة من قبل النظام و”الجرائم ضدّ الإنسانية” التي اقترفها مناوئوه، خصوصا بعد أن التحقت بهم فيالق من الجهاديين، المنجذبين إلى ساحة الوغى انجذاب الضباع إلى بهيمة ميتة.

والنظام السوري هو البادئ بالعنف ضد أبناء شعبه المطالبين بالحرية وبعيش كريم، وقد استعمل لإخماد ثورة بدأت سلمية كل أنواع الأسلحة، لا يستثني من ذلك الدبابات والمدافع والصواريخ والطائرات الحربية وحتى السلاح الكيمياوي، بعد أن استشرى الاعتراض على سياسة القمع والاستبداد التي سار عليها النظام، ولم يتوانَ عن القصف العشوائي لأحياء مدنية آهلة بالسكان، لقتل أكبر عدد ممكن من الخصوم الذين فقدوا مواطنتهم وصاروا الآن “أعداء”، وحوّل حتى المسالمين من أفراد الشعب إلى قتلة. ذلك أن منطق التقتيل جماعي بالأساس، إذ يتحول الإنسان الفرد إلى قاتل من خلال المجموعة، متخذا سبيلين: أحدهما عمودي يقوم على الامتثال لمن بيده الأمر والنهي، وثانيهما أفقي جماعي يعتمد على المطابقة والمماثلة، وكأن طائفة متجانسة تحارب أخرى. وبتصاعد مخاطر فقدان العرش، يتحول القتل في سلوك النظام الحاكم إلى إبادة، فإذا هو أشبه بنشاط ذكوري machiste يحاول من خلاله أن يظهر ما هو قادر أن فعله بخصمه، ولو كان الخصم، كما في المأساة السورية، من بلد واحد ومن عرق واحد.

يحدث هذا ليس في بلاد العرب وحدهم، بل في سائر البلدان التي ابتليت بحكم شمولي. في كتابه “الموت على أيدي الحكام” الصادر عام 1996، يقول الأميركي رودولف رومل إن حوالي 150 مليون شخص قتلوا خلال القرن العشرين على أيدي حكامهم، في حين أن ضحايا مجمل الحروب التي خاضتها البشرية في الفترة نفسها لا يتجاوز عددهم الأربعين مليونا.لقد كان سان جوست على حق حين قال: “ليس أخطر على شعب من حكامه”.


كاتب تونسي

8