الحكايات الشعبية.. الخطر الذي يجب الانتباه إليه

حكايات تختزل مسيرات الشعوب ولا غنى عنها في تنشئة الأطفال.
الأحد 2021/09/26
الحكايات الشعبية ضرورة ثقافية (لوحة للفنان كلاي قاسم)

الحكاية الشعبية هي إحدى الوسائل التي تحافظ على الإرث الثقافي وترسيخ الهوية الثقافية ومن أهم الأشكال التعبيرية وهي خلاصة تجارب الأجيال مصوغة في قالب قصصي مشوق، زاخر بالعبر والقيم النبيلة وهي من إبداع الخيال تتجلى فيها حكمة المجتمع، فهي مرآة عاكسة للمجتمع الذي نبتت فيه بحيث تعتبر الحكاية الشعبية أحد أجناس الأدب الشعبي المحببة للكبار والصغار، وذلك لما تتضمنه من عناصر جذب وتشويق وإثراء للخيال بالإضافة إلى ما تتضمنه من قيم إيجابية.

خالد غربي

تصنف مجالات التراث الشعبي وموضوعاته حسب الدكتور محمد الجوهري إلى الأدب الشعبي، العادات والتقاليد، المعتقدات والمعارف الشعبية، الثقافة المادية والفنون الشعبية، وتعد الحكايات الشعبية من أكثر فنون الأدب الشعبي انتشارا، وأهم أنواعها والتي تصنف إلى الحكاية الخرافية، حكاية المعتقدات، حكايات التجارب اليومية، الحكايات التاريخية، قصص الحيوان، الحكايات الهزلية والقصص الدينية.

الحكاية الشعبية تعدّ جزءا من موروثنا الشعبي، وخلاصة إفرازات لتفاعلات الناس مع ظروف الحياة التي عاشها الإنسان. حيث كانت هذه الحكايات إحدى الدعائم المهمة في صقل شخصية الطفل، فقد كانت كل قصة تهدف إلى قيمة يتم غرسها في نفوس الأبناء، ليصيروا رجالا قادرين على تحمل المسؤولية ومجابهة ظروف الحياة المتغيرة، وكذلك إعداد نساء يعتمد عليهن في بناء الأسرة المستقبلية ضمن التحديات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة.

والحكاية الشعبية هي تلك التي تناقلها الناس عن طريق الرواية الشفوية منذ القدم، ويؤثر الخيال الشعبي في صياغتها، وفي تطاير بعض الأحداث التاريخية والشخصيات، بالمبالغة والغرائبية، تأثيرا كبيرا وتأتي الحكاية الخرافية في الإطار نفسه، وإن تميزت عن الحكايات الشعبية بأن أبطالها هم من البشر أو الجن، بينما تقف الحكاية الشعبية عند حدود الحياة اليومية والأمور الدنيوية العادية.

تأخذنا الحكاية، باعتبارها أثرا أدبيا كما تقول جوليا كریستیفا، إلى حافة الوجود، حيث تدعو مشاهدها المتخيلة، القارئ أو السامع، إلى أن يصبح مسافرا مملوءا بالدهشة، بما فيها من مشاهد عجيبة تذكي الخيال وتحرك السؤال.

الأثر التربوي

الحكاية الشعبية تسهم على اعتبارها فنا من فنون أدب الأطفال في نموهم العقلي والأدبي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي

تسهم الحكاية الشعبية على اعتبارها فنا من فنون أدب الأطفال في نموّهم العقلي والأدبي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي ويلبّي حاجاتهم الجسمية والعاطفية فضلا عن القيم الجمالية، تساعد الطفل على كسب المعارف والمهارات وتعلمه القيم النبيلة والمسالك الصحيحة ليشق طريق حياته بسلام وتطور وتقديم تلك الأهداف بأسلوب شيق تؤطره المتعة والخيال الواسع والابتعاد عن أسلوب الوعظ والتعليم السطحي الذي لا يثير خيال الطفل وانبهاره.

 وعلى العكس يرى البعض أن معظم “الحكايات والقصص والأساطير المقترحة للصغار تحل معضلات الحياة اليومية بضربة عصا سحرية مع أن واقع الحياة حركة وكفاح ونضال ينبغي أن يعيشه الإنسان فعلاً لا أن يعيشه في الوهم والخيال لكي يتمكن من التحكم فيه والسيطرة عليه، وهذا ما يدفعهم إلى تحذيرنا من تبسيط الأمور أو جعلها مثالية بعيدة عن الواقع”.

ومن الممكن دحض الرأي السابق بوضع الحكاية الشعبية في موضعها الصحيح وكيفية استخدامها والفائدة التي تقدمها للأطفال، فالمربي فيلينون يؤيد استخدام الحكايات والقصص بصورة متكررة في كتابه المعروف “بحث في تربية البنات” يؤكد أهمية اختيارها بأسلوب بالغ الرقة وكثيرا ما يستخدم كلمة “صورة” ليعبّر بها عن الانطباع الناجم عن الحكاية التي تثير صورا في مخيلة الطفل “هذه المادة من دماغ ‘الأولاد‘ تجعل كل شيء ينطبع بها بسهولة، كما أن صور الأشياء الحسية كلها تصبح حية فيها وعلى هذا الأساس يجب أن تسرع في غرسها أدمغتهم.. ولكن يجب علينا ألاّ نملأ الوعاء الصغير بسيط الثمن إلا بالأشياء اللطيفة” (الكعبي، فاضل عباس، الحكاية الساحرة، دراسة في أدب الأطفال، مطبعة اتحاد الكتاب العرب 1985).

وتعد الحكاية الشعبية المرآة العاكسة لعادات المجتمع وتقاليده والحياة بشتى صورها فهي لا تقتصر على منح أفراد المجتمع الموعظة الحسنة وتعلّم الصبر وتشير إلى العوامل السلبية والإيجابية في المجتمع أو الفرد، وهي ذات أطر قريبة جدا من دوافع التوجيه السليم وخاصة في إطار التربية والتعليم حيث تشكل عمقا موسوعيا غنيا بكل المعارف والفنون والحضارة كما أنها صورة للتاريخ، إذ يمكن اعتبارها وسيلة تربوية تعليمية لإيصال المعنى والهدف حيث تقرّب للأذهان الهدف الخير الذي تطمح إليه من خلال خيالها الخصب ووعظها دون الإخلال بالعملية التربوية العميقة.

 وقد أخذ كتّاب المسرح من الحكاية الشعبية ما يعينهم على رسم حدود الخير بأبسط الطرق حيث يتم اختيار الأصلح والأجمل ونبذ ما لا يليق بالتوجيه التربوي “ينبغي أن يكون تفكيرنا دائما هو: ألاّ نعنى بسرد القصص للأطفال فقط ، بل نسعى لجعل الأطفال يبتكرون عوالم القصة ويسهمون بتمثيل أحداثها وتمكينهم من وضع القصص والعمل على كتابتها لتنمية قدرة الكتابة والموهبة في ربط الأحداث وسردها وتكثيفها في كتابة مبتكرة تسمى القصة” (الكعبي، مرجع سابق).

وعبّرت الحكاية الشعبية عن تطلعات الإنسان وتراث الشعوب ووجدت طريقها إلى قصص الأطفال فاستهوتهم واستقرت في وجدانهم فتفاعلوا معها واستمتعوا بأجوائها الخيالية الرائعة البديعة ومن هذا المنطلق تعد من العوامل الأساسية المساعدة على تربية الطفل وتنمية قدراته وقابلياته وبناء شخصيته وينمو إحساسه بأهمية الحكاية الشعبية.

وتلعب الحكاية الشعبية دورا كبيرا في تثبيت القيم الثقافية والتعليم والتلقين والتلاؤم مع أنماط السلوك فتأخذ شكل آراء إصلاحية في الغالب حيث ترتبط النزعة إلى الإصلاح وتحقيق تلك النزعة من خلال النصائح والتطلعات الأخلاقية للحكاية الشعبية لذلك فهي تتجه اتجاها إصلاحيا جادا.

كما تعرض الحكاية الشعبية فصولا أخلاقية يتلقى الطفل من خلالها دروسا في المبدأ من أبطال التضحية ورجال الخير لينحو نحوهم في خدمة الخالق والعائلة والوطن فتكون الحكاية دروسا ووعظا مباشرا وإيضاحا لأمور تاريخية واستعراض الخير والشر ودفع الطفل للاندفاع نحو الخير ونبذ الشر بالنصيحة المباشرة وغير المباشرة فقد تصوّر الحكاية الشعبية موضوع العمل كمبدأ أساس في بناء الحياة.

صراع الهوية

تلعب الحكاية الشعبية دورا كبيرا في تثبيت القيم الثقافية والأخلاقية عند الأطفال وتعليمهم وتلقينهم أنماط السلوك

تفطنت الشعوب مع بدايات القرن التاسع عشر إلى خطر الحكايات الشعبية ودورها المحوري في الحفاظ على الهوية القومية وحفظها من الذوبان والتلاشي أمام طفرة وسائل الإعلام ومحاولات دول عظمى طمس هويات الشعوب وإذابة خصوصياتها وتنميطها وإلغاء تاريخها، حتى يسهل ابتلاعها، يقول الباحث الأميركي جورج لافي ونسون “ليس أخطر على الشعب الأميركي من أهزوجة أو حكاية هندية، تتندر بها أمّ أميركية. ليس أخطر على الشعب الأميركي من تراث الهنود الحمر”.

 ومن هذا المنطلق صارت مباحث التراث عموما، والحكاية خصوصا مرتبطة بسؤال الهوية وأصبحت مدخلا خطيرا للبحث في ثقافة أي شعب من الشعوب، وصار الاهتمام بها أكيدا. ففي بداية القرن التاسع عشر في سنة 1806 أقبل الأخوان جاكوب وفلهلم  الألمانیان على جمع مئتي حكاية شعبية من مدينة كاسل الألمانية كانت لبعضها صلة بألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وصارت تعرف بحكايات جریم الخرافية. من هذه الحكايات: الأقزام السبعة، وذات الرداء الأحمر، وسندريلا.

 وترجمت هذه القصص إلى 140 لغة وهي حكايات جمعاها من النساء الألمانيات حيث كن يروينها لأطفالهن حول المدافئ في البيوت والأكواخ في ليالي الشتاء الطويلة. وكانت غايتهما من ذلك تأصيل الهوية الألمانية والحفاظ عليها من الذوبان. واعترفت الحكومة الألمانية بخطورة هذا الجهد الذي بذله الأخوان، وما له من دور في تأصيل ثقافة الشعب الألماني فكرّمتهما خير تكريم حيث أقامت متحفا للتراث باسمهما، ووضعت صورتهما على أعلى ورقة نقدية ورقة الألف مارك (شاكر عبداللطيف، الحكاية الشعبية ودورها في تنمية الحس الجمالي والفني لدى الطفل، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد 51، أبريل/ يونيو 1996، 2003).

التنشئة الاجتماعية

Thumbnail

تعد الحكايات الشعبية أحد أهم مصادر التنشئة الاجتماعية للطفل، حيث تزخر بالعديد من القيم والأعراف والتقاليد التي تسهم في خلق طفل سوي نفسيا، وقادر على التكيف مع مجتمعه، لذلك يسعى العديد من كتاب دراما مسرح الطفل لاستلهام الحكايات الشعبية في أعمالهم المسرحية، وتتسم الحكايات الشعبية بقربها من وجدان الأطفال، فلا يوجد طفل إلا ويسعد بالاستماع إلى تلك الحكايات لما تتسم به من بساطة في التركيب وخلوّها من التعقيدات، كما أنها تمثل الأحاسيس الفطرية في الإنسان، ويجد كتاب مسرح الطفل جمهورا مولعا بالإصغاء إلى الحكايات الشعبية لما تتسم به من أحداث غريبة ومثيرة كوجود الجان والعفاريت والمردة والساحرات، كما أنها تتضمن في أحداثها العديد من القيم والمضامين التربوية والمعارف.

وتتعدد وتتنوع القيم والمضامين في مسرح الطفل، سواء كانت قيما ومضامين تربوية وتعليمية أم قيما ومضامين مرتبطة بالتنشئة الاجتماعية أم قيما ومضامين فكرية وسياسية، أم قيما ومضامين ثقافية ودينية، حيث يعي كاتب مسرح الطفل أنه مربّ في المقام الأول يسعى لتقديم الأسوة الحسنة والقيمة التربوية من خلال أعماله المسرحية، والتي ينبغي أن يبثها في أذهان أطفالنا من أجل بناء شخصية طفل المستقبل.

ويمكن أن نستخلص أهمية الحكايات الشعبية ودورها في التنشئة الاجتماعية للطفل في ما يلي:

بداية إمتاع الطفل وتسليته إذ تهدف الحكايات الشعبية إلى التسلية والترفيه وبث المتعة في نفوس الأطفال، ولا نجد طفلا يرفض سماع أيّ حكاية، والتي تظل عالقة في أذهان الأطفال لفترة طويلة من العمر، فلا يمكن أن ينسوا حكاية علي بابا والأربعين حرامي، وعلاءالدين والمصباح السحري، والشاطر حسن، والسندباد، وعقلة الإصبع، وغيرها من القصص المستمدة من الحكايات الشعبية، وذلك نظرا لما تحتويه من متعة وترفيه للأطفال إلى جانب ما تبثه من قيم وسلوكيات ومعارف يستمتعون بها ويحرصون على متابعتها.

كما تزخر الحكايات الشعبية بالعديد من الحكايات التي تقدم للأطفال المتعة والفكاهة والتسلية، كالحكايات المرحة وحكايات الحمقى والمغفلين والنوادر، حيث تتناول تلك الحكايات شخصيات تتسم بالغباء والحمق في تصرفاتها وأفعالها مما يجعلها مسارا للسخرية، فالأطفال يسخرون من تلك الشخصيات، ولكنهم في الوقت نفسه يتعلمون من خلالها.

الحكاية الشعبية عبرت عن تطلعات الإنسان وتراث الشعوب ووجدت طريقها إلى قصص الأطفال فاستهوتهم واستقرت في وجدانهم

ثم تسعى الحكاية الشعبية للتأكيد على القيم الأخلاقية، إذ تهدف إلى تحقيق التواصل الثقافي واللغوي بين الأجيال حيث تبرز التراث الإنساني على مر العصور ليتعرف كل جيل على تراث أسلافه وثقافتهم، وتسعى الحكايات الشعبية لبث العديد من القيم الأخلاقية من خلال العديد من حكاياتها، وتقديم نماذج من السلوك القويم وأنماط من الشخصيات تتسم بالمثل والقيم والتي تهدف إلى الاقتداء والاهتداء بها.

 العديد من الحكايات الأخرى تبث فضائل متعددة كالتواضع والحنان والشفقة والمساعدة والصبر والتعاطف والشجاعة، وهي فضائل وقيم تجد المكافأة والنجاح دائما، والنجاح والمكافأة يعكسان أهداف الحياة الطويلة للإنسان، وتؤكد القصص الشعبية من خلال موضوعاتها معايير للسلوك الذي يجب الاقتداء به.

وتتضمن معظم حكايات الجان العديد من قيم التربية الأخلاقية والفضائل كالأمانة والوفاء بالوعد والشجاعة والإخلاص والتي تهدف إلى سموّ العاطفة والمشاعر والأحاسيس، حيث لا تخلو الحكايات من توجيه الأطفال إلى السلوك الحسن، فحكاية التاجر والعفريت تبرز قيمة تربوية هامة من خلال وفاء التاجر بالعهد الذي قطعه على نفسه أمام العفريت، بعد أن أراد قتله ليقتص منه لأنه رمى نواة التمر على ابنه فقتله دون قصد، وطلب منه التاجر أن يمهله فرصة عام حتى يسدد ديونه ويعود إليه بعد ذلك ليقتص منه، وعلى الرغم من أن التاجر يعلم مسبقا أن العفريت سوف يقتله إلا أنه أوفى بعهده إليه، وهي قيمة يجتهد كتاب مسرح الطفل لبثّها في نفوس الأطفال، وتنتهي الحكاية بعفو العفريت عن التاجر بعد أن استمع إلى ثلاث حكايات لثلاثة من الرجال، فيهب لكل رجل ثلث دم التاجر وذلك وفاء لإنسانية الإنسان، أما في حكاية الصياد وزوجته فنجدها تهدف إلى بث قيمة تربوية هامة، وهي أن القناعة كنز لا يفنى، وأن الطمع يجعل صاحبه يفقد كل شيء.

كما أن الحكايات الشعبية تؤكد على القيم الاجتماعية، فتعبّر عن ضمير الجماعة الشعبية، لذا تقوم بدور هام في تأكيد القيم الاجتماعية التي تعبّر عن الجماعة، وذلك من خلال إبراز أبطال الحكايات بصورة مقبولة، فالبطل يحب من حوله ويسعى عادة لتقديم يد العون، والمساعدة إلى كل محتاج، كما يتسم بالصفات الحسنة كالذكاء والصدق والأمانة، لذلك يفوز البطل في النهاية بالمكافأة نتيجة لخصاله الحسنة، وتأتي هذه الصفات المثالية تأكيدا على قيم المجتمع، كما أن صفات الحسن والجمال التي تمنح لبطلات الحكايات الشعبية هي صفات تمنح لهن من الطبيعة نتيجة حسن سلوكهن، ففي حكاية أمنا الغولة يدعو النبات إلى ست الحسن فتصير أكثر جمالا جزاء لفعلها الطيب، في حين يدعو النبات على أختها زليخة فتصير أكثر قبحا مما كانت عليه نتيجة سوء سلوكها، فإذا كانت للبطل صفات مخالفة لقيم المجتمع، فإنه عادة ما يلقى جزاء تلك الصفات السيئة التي ينكرها المجتمع.

الحكاية الشعبية هي تلك التي تناقلها الناس عن طريق الرواية الشفوية منذ القدم، ويؤثر الخيال الشعبي في صياغتها

كما تؤثر الحكايات الشعبية تأثيرا كبيرا على مشاعر الأطفال ووجدانهم، وذلك من خلال توحد الطفل مع البطل المظلوم وكراهيته للظلم، فالأطفال يتعاطفون مع ست الحسن في ما تواجهه من قسوة وظلم من زوجة أبيها وأختها غير الشقيقة، كما يتعاطفون مع الشاطر حسن ويخشون أن يصيبه أذى من المارد الشرير، ويأتي انتصار البطل على القوى الغاشمة المجسدة في شخصيات لا تعرف الرحمة من أجل نيل المكافأة.

كذلك تساهم في إثارة خيال الأطفال، إذ تساعد الحكايات الشعبية على تنمية خيال الأطفال من خلال عالم الخيال الرحب الذي تبلوره الحكايات الشعبية إلى جانب عالم الواقع، فالطفل ينبهر بالشخصيات الخرافية كالجان والمردة والسحرة وهي تتعامل مع الشخصيات الآدمية جنبا إلى جنب، وبالأدوات الخرافية التي تسخّر لخدمة البطل من أجل الانتصار على الشخصيات الخرافية، كبساط الريح وطاقية الإخفاء والعصا السحرية، كما تظهر الحيوانات الخرافية في الحكايات الشعبية والنباتات والجمادات، والتي تمتلك القدرة على الفعل وتطوير الأحداث.

ومن أدوارها كذلك تنمية قدرة الأطفال على التفكير، فالحكايات الشعبية تشتمل على عناصر كثيرة كالصوت والحركة والشخصيات والمعلومات الجغرافية والتاريخية والعناصر الواقعية والخيالية والرموز وتداخل الأزمنة والحكاية داخل الحكاية، والموتيفات أو التيمات التي هي أصغر وحدة في المضمون الروائي، وهي يمكن أن تكون حيوانا خرافيا كالغول، أو مادة كالعصا السحرية، أو حادثة مثل الهروب السحري المليء بالعوائق، وغير ذلك من العناصر التي تساهم في تنمية المفاهيم والتصورات الأساسية لدى الطفل عن الزمان والمكان والحركة والإنسان والواقع والحياة (شاكر، 1996).

 وتهدف العديد من الحكايات الشعبية إلى تدريب الطفل على التفكير السليم لأن حلول الأزمات عادة ما تأتي عن طريق الحيلة واستخدام الشخصيات الخيرة لذكائها للانتصار على القوى الشريرة، ومن أشهر حكايات الجان في ألف ليلة وليلة والتي تبرز حدة الذكاء وقوته والقدرة على التفكير حكاية الصياد والعفريت، حيث نجح الصياد في الإفلات من العفريت الذي خرج له من القمقم وكاد يقتله، وذلك عن طريق الخدعة والمكيدة، حيث قال الصياد للعفريت إنه لم يصدق أنه كان محبوسا في هذا القمقم، وعندما أراد العفريت أن يثبت له صحة هذه الحقيقة تحول وصار دخانا كثيفا ودخل في القمقم، وعندئذ سارع الصياد بإحكام غلق فوهته، ولم يحرر الصياد العفريت من حبسه إلا بعد أن وعده بأن يفعل شيئا يغنيه مدى حياته.

ومن أدوارها أيضا إشباع دوافع حب الاستطلاع لدى الأطفال، إذ غالبا ما يكون الأطفال مشدودين إلى كلمات الحكاية الشعبية لأنها تشبع دافع حب الاستطلاع لديهم، وتبعث فيهم الرغبة في الانطلاق من حياتهم التي تسودها الرتابة، فحكايات الماضي المثيرة تشد المستمعين دائما بسحرها الغامض في كل مكان من هذا العالم الرحيب، وهي تنتقل من عصر إلى عصر، ولكنها في كل مكان تقوم بخدمة نفس الحاجات الاجتماعية والسياسية، كما تقوم بخدمة نفس الاحتياجات الفردية، وأخصها إشباع دافع حب الاستطلاع والتشويق للأحداث الغامضة التي حدثت في غابر الزمان (هدى قناوى، أدب الأطفال، ط1، القاهرة. مركز التنمية البشرية، 1995).

وتعتبر الحكاية الشعبية المستمدة من التراث الشعبي هي أكثر الحكايات مناسبة للطفل، وذلك لقدرتها على إثارة خيال الطفل بما تقدمه من عوالم مختلفة تتفاعل معا دون وجود أيّ فواصل في ما بينها وكأنها عالم واحد، حيث تلغي الحكايات الشعبية الفواصل الزمنية والمكانية والاجتماعية بين البشر، وذلك من أجل خلق عالم واحد يحقق فيه الطفل ما يعجز عن تحقيقه في عالمه الواقعي.

ومن هنا ينبع سر الإعجاب بما في الحكاية الشعبية من ظواهر الطيران السحري، والحياة بعد الموت، والبطل الذي يهزم أعداءه بالسحر.. الخ، تلك الظواهر التي تحقق للمتلقي الوظيفة البيولوجية حيث يخرج فيها من قيده الزماني والمكاني ومن عجزه الفيزيائي، كل هذا إلى جانب وظيفة التسلية والإمتاع، فالحكاية أيا كانت تؤدي الوظيفتين معا، التسلية والتثقيف، وكل ما قد يلتمس هنالك من فرق بين حكاية وأخرى في هذا الصدد لا يعدو أن يكون فرقا كميا لا فرقا نوعيا (كمال الدين حسين، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث، ط1، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1993).

ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية اللندنية

13