الحكايات وصناعة السلام الداخلي

الاثنين 2016/05/16

هل يمكن أن تغدو الحكايات وسيلة لتصالح المرء مع نفسه وواقعه؟ كيف للحكايات أن تنهض بأدوار من شأنها تسييد نوع من الأمان والسلام والاطمئنان في نفوس مبدعيها ومستقبليها؟ أيّ أسرار تنطوي عليها الحكايات في لعبة مواجهة المخاوف؟

تساهم الحكايات في التوعية بضرورة تقبل الواقع، ومواجهة التحديات من دون الارتكان إلى الهزيمة أو الاستسلام لمشاعر سلبية تتسبب في تعكير الحياة، وكيف أن الموت هو وجه الحياة الآخر، وأن المرض إحدى حقائق الحياة التي لا بد من عدم غضّ الأبصار عنها، والسعي لتفهمها.

كما تساعد القناعة الشخصية المكتسبة من الاطلاع على حكايات الآخرين وتجاربهم على بث الراحة والطمأنينة في روح صاحبها، وتجعله متصالحا مع نفسه، متقبلا واقعه ونهايته، كما تساهم في تيسير تفاصيل كثيرة كانت تعدّ مستعصية، حتى في أشد اللحظات أسى وحزنا، وذلك من دون الحاجة إلى أي وعظ أو إرشاد أو إملاءات، بل قد يجد نفسه حكيما من واقع تجربته الحياتية، ولافتا إلى أن الحكمة التي تكرسها التجربة الشخصية أكثر تجذرا وتعمقا وتأثيرا في حياة المرء ومحيطه.

في “ألف ليلة وليلة” تحايلت شهرزاد على شهريار بالحكايات، كانت تبقي لديه التشويق مستعرا متفعّلا يؤجّل قراره المبيّت بالقضاء عليها بعد الانتهاء من سماع حكاياتها، لكنّ نهر الحكايات كان يفيض، ويخفّف شهوة القتل في روح شهريار، ويزرع لديه بذرة سلام مع ذاته العدوانيّة ومحيطه من نساء الواقع والحكايات والخيال.

في روايته “أوسكار والسيدة الوردية” أثار الفرنسي إيريك إيمانويل شميدت مواضيع وقضايا فلسفية وحياتية عميقة، منها تلك الحكايات والمخاوف التي تتعلق بمواجهة الموت، وكيفية التأقلم مع الحالة الصعبة، وتفهم الواقع كما هو بعيدا عن مخادعة الذات والتحايل عليها، ومقاربة مفاهيم كالحبّ والكره والإيمان والكذب واليأس والأمل، وذلك كله على لسان بطله أوسكار، وهو طفل صغير مريض يبلغ العاشرة من عمره، يعيش أيامه الأخيرة في مشفى متخصص بالأمراض السرطانية.

أبرز شميدت أن الإنسان الذي يفقد الأمل يعيش في حالة عطالة مؤقتة، يكون الموت منقذا له من يأسه وعطالته، وتكون الحكاية وسيلة لتخفيف آلام انتظار الموت، في الوقت الذي يكون الإنسان المتفائل، برغم ما قد يعانيه من ظروف قاهرة، مساهما في تحسين حياته وحياة من حوله، وإقراره أن الموت هو نهاية كل إنسان، لذلك لا بد من تقبل هذه الحقيقة والعيش بناء عليها، والاستمتاع بالحياة، سواء كانت طويلة أو قصيرة. وتكون الحكايات كانت معبر بطله إلى صناعة سلامه الداخلي واطمئنانه الروحي.

كاتب من سوريا

15