الحكاية الكاملة لاعتقال وموت جراح العظام البريطاني عباس خان في سوريا

الاثنين 2014/01/27
والدة الطبيب البريطاني في حالة انهيار بعد تلقيها خبر وفاة ابنها من السلطات السورية

جنيف – أصبح العالم كله يعرف حكاية مصرع الطبيب البريطاني، عبّاس خان جراح العظام ذي الـ32 عاما، والذي قدم من لندن إلى مدينة حلب لإسعاف الجرحى من المدنيين، بعد أن توفي داخل السجن بعد أكثر من عام على اعتقاله من قبل نظام الرئيس بشار الأسد.

وقد حاولت السلطات الأمنية السورية الترويج لرواية أن الطبيب “خان” قد أقدم على الانتحار في مركز تحقيق فرع المخابرات في “كفرسوسة” بدمشق. وأعطيت هذه المعلومة لأمه، التي رافقها شقيقه إلى دمشق في مسعى إلى إطلاق سراحه، والتي انهارت، عندما علمت أن ابنها أصبح جثة هامدة، وكان اعتقادها أنه سيعود معها حيا إلى بيته في لندن.

و لتسليط الضوء على خفايا مقتل الطبيب البريطاني على أيدي النظام السوري التقينا في جنيف أسرة الطبيب “عباس خان” حيث حضرت أخته سارة، وأخوه نواز شاه، لمقابلة المسؤولين السوريين المتواجدين ضمن محادثات السلام حول الأزمة السورية، لمطالبتهم بالكشف عن الحقيقة التي يخفيها النظام السوري حول مقتل شقيقهما.


جهود إنسانية للطبيب

بدأ الحوار مع سارة خان شقيقة الطبيب الذي اعتقلته الحكومة السورية في 2012 بسبب مساعداته للسوريين، حيث كان يؤمن المساعدة الطبية، ويساعد المصابين، وهو ما أكدته سارة في معرض حديثها عن أخيها جراح العظام الذي كان مهتماً دائماً بالعمل الإغاثي. وتقول سارة إنه كان يسعى إلى اكتساب الخبرة، لذلك ذهب إلى تركيا ليعمل مع الجمعيات الخيرية التي كانت تقدم المساعدة لمخيمات اللاجئين بقرب الحدود السورية، وعاد في شهر أغسطس من 2012، وحينها اكتشف زيف الصورة المنقولة في “سوريا” والمأساة التي يعانيها السوريون، لذلك قرر العودة مرة أخرى حاملاً معه مبلغا ماليا قدره “30 ألف باوند” كان قد جمعها كتبرعات من شركات طبية متعددة للمساهمة في إنقاذ حياة المهددين بالموت بسبب الإصابات والجوع.

لا تزال شقيقة الطبيب تصر على أن أخاها قتل رغم إعلان الحكومة السورية عن أنه هو من قتل نفسه

وتضيف شقيقته “كما تعلم، فالحدود التركية السورية سهلة الاجتياز والكثيرون يخترقونها بشكل متكرر، وأطباء كثر كانوا يدخلون سوريا، ولكنهم كانوا لسوء الحظ يدخلون بشكل مستقل لأن المنظمات لم تكن قادرة على الدخول، فقرر أخي اجتياز الحدود، وكطبيب لم يستطع التراجع عن ذلك الوضع قائلاً إنه لا يريد العودة إلى أهله في الوقت الذي من الممكن أن ينقذ فيه حياة أحدهم بعمل بسيط”. مؤكدة أن أخاها كان متأثراً عاطفياً بما كان يحدث في سوريا، بشكل مماثل لما حدث من كوارث في “الفيليبين، الكاميرون، هاييتي وزامبيا”.

بعد اعتقال الطبيب ذهبت والدته إلى سوريا لتبحث عن مكانه وفي إجابتها حول علمهم بمكان أخيها قبل توجه والدتهم إلى سوريا، قالت سارة “فُقد أخي في نوفمبر من عام 2012، وفي شهر مارس لم تكن لدينا أية فكرة عن مكان تواجده، فظننا أن علينا الذهاب إلى هناك، وقد احتجنا إلى تأشيرات دخول للذهاب وحصلنا عليها في شهر يوليو، وعندما استلمنا تأشيرات دخولنا كنا لانزال حينها نجهل مكان أخي، وفي الحقيقة لم نكن نعلم إن كان حياً أو ميتاً، لذا قرّرت أمي أن تغادر في اليوم التالي من حصولها على التأشيرة متوجهة إلى دمشق، وهي التي لم تغادر الوطن من قبل، ولا تتكلم العربية”.


رحلة البحث


بوصول والدة الطبيب إلى دمشق التقت بمسؤولين من الحكومة السورية، وعن كيفية تعامل الحكومة مع القضية ومدى تعاونها أوضحت سارة بأنها لم تبد أي شكل من أشكال المساعدة قائلة “لقد جعلوا أمي تأتي وتذهب مراراً، وتقوم بالاتصالات لتسأل الجميع عن مكان “عباس″ وكان الجميع يقول لها إنهم لا يعرفونه، وبأن ذلك ليس من اختصاص عملهم، وإن عليها العودة إلى بلدها على أن تقوم حكومتها البريطانية بالتواصل معهم”. وواصلت “معظمهم بدا غير مهتم، قالوا لماذا يجب أن نعطيكِ الأولوية بينما هناك الآلاف من السوريين المفقودين ويجب أن ننظر في قضاياهم أولاً، لم يكونوا على المستويات الرسمية مرحبين بها على الإطلاق، ولكنها تابعت ولم يوقفها ذلك، لم ترد أن تعود إلى الوطن دون استعادة ابنها”.

ولا تزال شقيقة الطبيب تصر على أن أخاها قُتل رغم إعلان الحكومة السورية عن أنه هو من قتل نفسه. في هذا الشأن تؤكد سارة “بقي أخي لخمسة أشهر في “عدرا”، وحصلت أمي على حق زيارته وكانت تزوره مراراً وتطعمه، وكان يتحسن، حتى أن وزنه تضاعف مقارنةً بحالته عند لقائهما الأول وكان سعيداً”. و بتوضيحها أكثر لدى سؤال عن وضعه لدى مقابلته لوالدته أول مرة قالت “عندما وجدته أمي في الأول من يوليو العام 2013، لم تتمكن من التعرف عليه، كان قد خسر أكثر من نصف وزنه، وكان لديه علامات تغطي كل مناطق جسمه، فيما كانت بعض أظافره مفقودة، وكانت عليه علامات تدل على تعذيبه بالكهرباء، وعلى سوء معاملته وتعذيبه بقسوة لأكثر من تسعة أشهر”.

كشفت سارة خان تورط النظام السوري في مقتل أخيها إثر تعذيبه بعد تلقي العائلة تأكيدات من النظام السوري، واعتراف أحد المسؤولين بذلك مباشرة لوالدتها

و بسؤالها عن تاريخ تلقي والدتها نبأ وفاته وكيفية التواصل معها في هذا الشأن ترد بالقول “بقي “عباس″ في “عدرا” لخمسة أشهر، وفي ديسمبر 2013، نقله الأمن إلى مكان آخر لا نعلم أين يقع، بعدها تواصل حارس السجن مع أمي ليخبرها بأن ابنها لم يعد عندهم، وعندما بحثت أمي وسألت الكثير من المسؤولين عن مكان “عباس″ وعن سبب نقله بما أنهم سيطلقون سراحه بعد أسبوع، لم يملك أحدهم الجواب، ولكنهم طمأنوها بأن هذه إجراءات ما قبل إطلاق سراحه، وأنهم أخذوه لتوجيه بعض الأسئلة. وفي يوم الاثنين السادس عشر من يناير، أتى رجل من أمن الدولة لاصطحابها من الفندق، قائلاً إنه يأخذها لترى ابنها قبل إطلاق سراحه. أخذوها إلى فرعهم حيث أجلسها رجل هناك وقال لها إنه آسف لخسارتها، اضطربت أمي وسألته عمّا حدث ليقول لها ذلك، فأخبرها بأن ابنها قد قتل نفسه.

قالت له إن هذا ليس حقيقياً فطلب منها الدخول للتعرف على جثة ابنها. نحن نعلم أن كلامهم ليس بحقيقة، كان عباس يكتب لنا، وقد كان متحمساً جداً ومتطلّعاً إلى العودة إلى المنزل، إطلاق سراحه كان في يوم الجمعة العشرين من يناير، كنا قد اتفقنا مع أحد أعضاء البرلمان في لندن على أن يأتي ليستلم أخي. كان أخي متطلعاً إلى الخروج، وكان يسألنا عما نريد أن يحضره معه، كان يكتب لأطفاله يسألهم عن الألعاب التي يريدونها. لعباس ابنة عمرها ست سنوات وابنه “عبدالله” في السابعة من عمره، كتب لهما أنه لا يطيق الانتظار ليحضنهما، لم يكن بأية طريقة في حالة عقلية تستدعي أن يقتل نفسه.


النظام يعترف

وقد كشفت سارة خان تورط النظام السوري في مقتل أخيها إثر تعذيبه بعد تلقي العائلة تأكيدات من النظام السوري، واعتراف أحد المسؤولين بذلك مباشرة لوالدتها بالقول “أجل لقد قتلنا ابنك” وتتابع “قالها لأمي التي بدأت الاتصال بالجميع ممن تعرفهم، وحين تكلمت مع مكتب الرئيس السوري، قال لها المسؤول “أجل لقد قتلنا ابنك، وبإمكانك العودة واخبار الحكومة البريطانية بأننا قتلنا طبيباً بريطانياً وبأنه يمكنه التواصل معنا حول الموضوع إذا وجدوا مشكلة في ذلك”.

تأمل سارة في كشف الحقيقة التي يخفيها النظام حول مقتل أخيها، وهو ما دفعها إلى التوجه مع شقيقها إلى جنيف للتواصل مع أعضاء وفد النظام السوري بعد أن أقفل النظام في دمشق الأبواب في وجوههم وفي هذا الصدد تقول سارة “منذ وفاة أخي أعطينا ثلاثة تفسيرات مختلفة عن طريقة قتله لنفسه من قبل نائب وزير الخارجية السوري بنفسه الذي أدلى بتصريحات عن الموضوع، وقد كانت تصريحاته مختلفة في كل مرة”.

و تتابع “وبما أننا لم نتمكن من التواصل مع النظام السروي منذ غادرت أمي دمشق فقد أتينا إلى هنا لنتمكن من الحصول على بعض الإجابات ممن وعدونا في السابق بإطلاق سراحه، ولا يجب أن يفلتوا بعد قتل الناس بهذه الطريقة دون أن يجيبوا عن أسئلتنا.


السلام في سوريا


ابتدأ نواز شاه خان شقيق الطبيب حديثه عن الوضع المأساوي الذي يعيشه السوريون في البلاد التي يحكمها نظام ديكتاتوري يمارس أبشع أنواع الاضطهاد ضد شعبه. يقول نواز “عندما كانت أمي في سوريا، التقت بالعديد من العائلات السورية التي عاشت حكايات مماثلة، والكل كان خائفاً من أنه إن قال أو فعل أي شيء سوف يلاقي نفس المصير الذي لاقاه أخي عباس ولكن قبل أن يكون هناك أي سلام في سوريا يجب أن تكون هناك سيادة للقانون والعدالة، حتى ينعم الأفراد بالحياة بعيدا عن التخويف بهذه الأساليب الملتوية”.

و في رده على موقفه من الدين والتطرف الذي أخذ في الانتشار في سوريا، في ظل المجموعات المتشددة التي أصبح لها نفوذ واضح في بعض المناطق يقول “لا أستطيع أن أفهم الهجمات على المدنيين التي يقوم بها عناصر متطرفون تحت اسم حراك المقاومة السورية. وقد كنا خائفين من أن يكونوا قد اختطفوا عباس في فترة فقدانه، ولكن أظن أن كل الناس الذين التقت بهم أمي عندما كانت في سوريا لخمسة أشهر، كانوا يبحثون عن المساندة والمساعدة، والكثير من الناس كانوا يشعرون بأن العالم قد تخلى عنهم، وكل من يمد لهم يداً سواء كان متطرفاً أو معتدلاً كانوا يمسكون بها، لأن الموضوع كان متعلقاً بحياتهم في تلك الفترة، كل شخص يستيقظ صباحاً وهو يظن أنه قد يكون آخر يوم في حياتهم، أمي اختبرت إطلاق النار، مشت في الشوارع التي حدثت بها تفجيرات، وفي إحدى المرات سمعت قذائف هاون قريباً منها، كانت تركض وهي تكلمني على الهاتف.

هذا واقعي جداً وقد أحسست “وأنا هناك في لندن” بذلك الخوف الذي يكتسي الحياة اليومية في دمشق، ليس فقط في دمشق بل في سوريا ككل، حيث أن السجن الذي كان فيه شقيقي في دمشق كانت الاشتباكات داخله وحوله.


ضد التطرف وعنف النظام

يواصل “لا أوافق على التكتيكات المتطرفة التي تُعتمَد والتي تستعمل مؤخراً للهجوم على المدنيين، أو الوحشية مع أسرى الحرب، إنها تتعارض تماماً مع الإيمان الذي نحمله، وكوننا من خلفية معتدلة أظن أنه من الواجب أولاً إيقاف إطلاق النار ثم إيجاد جسر نحو السلام، وحجر الأساس في هذا الطريق هو العدالة في السجون ومع كل المعتقلين داخل سجون النظام السوري، وبمجرد أن تُظهِر الحكومة السورية للعالم أن لديها النية في إطلاق هؤلاء الأفراد البريئين والمحتجزين في إطار نظام القانون السوري، عندها سيمتلكون أقل قدر من المصداقية المطلوبة لحكم سوريا، وإلى أن يتم ذلك، ليست لديهم أية شرعية في أعيننا بعد قتلهم شقيقي دون أي سبب”.

و عن موقفه من المحادثات الجارية بين المعارضة و النظام وهل ستتمخض عن حل للأزمة السورية اعتبر شقيق الطبيب أنه بعد ثلاث سنوات من هدر الدماء يجب أن يكون هناك وقف لإطلاق النار ومفاوضات، حيث يجلس الجميع على الطاولة لرسم خارطة طريقٍ إلى السلام ورغم اتهام نواز للنظام إلا أنه يجنح إلى الحلول السلمية في معالجة الأزمة السورية وتحقيق العدالة للمظلومين موضحا ذلك بالقول “لقد سالت الكثير من الدماء في سوريا حتى الآن، ولا أريد لأي فرد آخر أن يعيش ما عشناه وعاشه عباس، حتى على سبيل العقاب، هذا ليس ما نبحث عنه، نحن نبحث عن العدالة والسلام في سوريا لهؤلاء المساجين السوريين الذين يعذّبون ويعدمون بشكل منظّم”. (وكالة انا للأخبار)

6