الحكاية كأداة نقدية للتاريخ

الجمعة 2015/10/09

تقع الحقيقة التاريخيّة الآن في محلّ التشكيك: أيّ الحكايات هي الأكثر إقناعا؟ أيّها يُمثل الواقع؟ وهل هذا التمثيل هو نقل حرفي- تصويري للأحداث؟ أم هي مجرد تمثيلات وحكايات سواء كانت متقنة أم لا؟ وما لا يجب التغاضي عنه في هذه الحالة هو حضور (الحكاية)، إذ تتناول الدراسات النقدية المعاصرة وخصوصا تلك التي تتعلق بالتاريخ ومدى (حقيقته)، مفهوم التاريخ بوصفه حكاية، وخضوعنا كمتلقين لظروف التدوين التي يعيشها المؤرخ، الذي يسعى إلى تحويل الواقعة المجردة إلى حدث ذي معنى، عبر تدوينها ضمن تسلسل منطقي يكتسب معنى سرديا، لنجد أنفسنا نعيد قراءة النصوص -وحتى التي تدوّن الآن- وفق مفهوم سردي، وكما تقترح ليندا هيتشيون في كتابها “سياسات ما بعد الحداثيّة”، فالمؤرخ مؤلف بالنهاية، يحاول تحويل الأحداث “الآن/هنا” إلى وثيقة صالحة لـ”لاحقا/هناك”، لكن ما مدى شرعية هذا التاريخ وصحّة أساليب الاعتراف بما يحويه من “أحداث ذات معنى”؟

فالمؤرخ محكوم بشخصه ككاتب من جهة، وبطبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية من جهة أخرى، وهذا ما يحكم على شرعية و”معنى” الحكاية أو الوثيقة التاريخية، سواء كانت كتابا أو حتى صورة، وهذا ما يحيل إلى مفهوم “السياسي”، فكل تدوين أو قراءة للتاريخ محكومة بسياسة وخطاب قوة ينتجها، والتعامل مع هذا التاريخ كحكاية يجعل انتقاده فعل (تورط) على حد تعبير هيتشيون، لأننا سنقدم حكاية أخرى في سبيل انتقاده، فنحن نقرأ التمثيلات (الحكاية) التي يقدمها المؤلف- المؤرخ عن الأحداث لانتقادها والاختلاف عنها، فآليات إدراكنا للماضي تعتمد على أن التاريخ غير موجود إلا ضمن تمثيل، ما حدث فعلا لا نعرفه، لأننا لم نشهده، بل إنه قد “حدث” لأننا نعرف تمثيلاته ونحاول تقديم تمثيلات- حكايات أخرى كنقد له.

تقترح هيتشيون إلى جانب بوردريار وغيرهما من منظري ما بعد البنيوية، مقاربة أخرى لانتقاد التاريخ عبر جعل الماضي حاضرا الآن، وإقحام التجربة الشخصية بوضوح ضمن النص السردي للتشكيك بالنص التاريخي، لتصبح تجربة التأليف ذاتها وافتضاحها ضمن النص الروائي إحالة إلى انتقاد الوثيقة التاريخيّة، عبر تقديم تقنية جديدة في قراءة أو كتابة التاريخ تدعى الخرافة التاريخيّة، أي الاعتماد على الأحداث والوثائق التاريخيّة في سبيل الوصول إلى صيغ لا تهدف إلى تقديم تاريخ حقيقي، بل مغاير، وهمي، خرافيّ ومتخيّل، لكنه متسق وذو معنى في سبيل انتقاد الاتساق التاريخي للوثيقة، ولا يقتصر ذلك على المضمون، بل يشمل الشكل أيضا، عبر الحواشي والهوامش، التي تحيل إلى أحداث واقعية بوصفها حقيقية، لكن التعامل معها في المتن بصيغ متخيّلة خرافيّة ترتبط بالشخصيات الحاضرة، وذلك عبر التشكيك بالحكاية، وتقديم حكاية مغايرة تحاكي تلك التاريخيّة، أو تعيد إنتاجها لكن بصيغة نرجسيّة- خرافيّة.

ارتباط المفهوم السابق بالتدوين يحمل نواحي سياسيّة والتي بدورها ثوريّة، فالتشكيك في الماضي والتصورات التي تمثله، يعني رفض الشكل القائم الآن، وبوصف الحكاية هي سعي لتفسير ما حدث أو ما يحدث، فهل حكايات الآن تكفي؟ هل ما قيل أنه يصلح هو حقيقة يصلح ؟ أهو حقيقة أم هوّ تصوّر ومحاولة لمحاكاة نماذج النظام القائم؟

يبدو الأمر حلقة مفرغة لا يمكن الفكاك منها، بل أقرب إلى ضياع في عالم من الأفكار، إلا أن هذه التصورات والمحاولات النقديّة هي التي تسعى إلى التأسيس لتاريخ أو معرفة قادرة عل استيعاب الاختلاف، لا بوصف الآخر أقليّة تستحق الشفقة أو أكثريّة مكروهة، بل تقديم حكايات مختلفة تفسر ما يحدث دون ترسيخ حكاية واحدة تمتلك الحقيقة وتحويلها إلى دين ربما أو عقيدة أو فكر شمولي.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14