الحكمة المصرية تنضح من خزفيات محمد مندور

أعمال الفنان المصري محمد مندور تمزج بين روح وعبق الماضي وجمال وانسيابية الحاضر.
الجمعة 2018/10/12
أعمال مندور ليست نسخة مكررة من أحد

القاهرة - يستضيف “مركز الجزيرة للفنون” في القاهرة حاليا وحتى 17 من أكتوبر الجاري معرضا للخزاف المصري محمد مندور تحت عنوان “الآنية المصرية بيت من بيوت الحكمة”.

ويعدّ الفنان محمد مندور واحدا من بين أهم المشتغلين بفن الخزف في مصر، تمزج أعماله بين روح وعبق الماضي وجمال وانسيابية الحاضر، وهو فنان تشرّبت قريحته بأشكال الخزف وخاماته منذ طفولته الباكرة، فقد نشأ في منطقة “الفواخير” بحي مصر القديمة بالقاهرة، وهو الحي الشهير بصناعة الخزف منذ القدم.

تعلم مندور فن الخزف في ورشه المنتشرة في حي مصر القديمة، لكنه كان شديد الإصرار على أن يكون مميزا بين أقرانه، فلم يكن يريد لنفسه أن يكون نسخة مكررة من أحد، ولقد أكسبته الخبرة إلماما بأسرار هذا الفن.

وفي أعماله لم يلتفت مندور إلى الزخارف بقدر اهتمامه بـ”الفورم” أو التكوين الخزفي، فبرع في ذلك على نحو لافت، كما أنه أبدع وأضاف في مواد التلوين التي يعالج بها القطع الخزفية، فحازت أعماله إعجاب الجميع، وشارك بخزفياته في الكثير من المعارض المحلية والدولية.

محمد مندور: في أعمالي لم ألتفت إلى الزخارف بقدر اهتمامي بالشكل الخزفي
محمد مندور: في أعمالي لم ألتفت إلى الزخارف بقدر اهتمامي بالشكل الخزفي

واشتملت أعمال مندور على الآنية بأحجام مختلفة، كما اختلفت التقنية ما بين ملمس السطوح الخشنة وملمس السطح الناعم، بالإضافة إلى الأطباق المرسومة التي اشتهر بها وميزته، وهي أطباق مطلية بأكسيد أبيض ومرسوم عليها بالأكسيد الأسود، وينفّذها على مراحل، فيقوم بعملية الحرق في كل مرة لتثبيت الأكسيد أو درجة اللون.

وتبدو أعمال محمد مندور الخزفية أشبه بكائنات أسطورية خارجة من رحم الأرض، تداعب انحناءاتها وتعرّجاتها الضوء فتخلق حالة وجدانية غاية في الرقي. والملفت في أعماله الخزفية أن كل قطعة منها تمثّل عالما منفردا، فهناك خصوصية لكل قطعة فنية على حدة، وليس هناك تكرار سوى في حالة التأمل والوجد الصوفي الذي يربط الأعمال جميعها بعضها ببعض.

وبدأت رحلة الفنان محمد مندور مع فن الخزف منذ مولده، كما يقول، في منطقة الفواخير بحي مصر القديمة في القاهرة، وتفتح وعيه على أشكال الخزف والفخار التي تشتهر بها تلك المنطقة منذ القدم، فكان وهو صغير مغرم باللعب في الطين مع الأولاد في مثل سنه، وحين بلغ السادسة أرسلته أمه إلى أحد أصحاب ورش الفخار القريبة.

وكانت وظيفته في تلك الورشة هي خلط الطين بقدميه العاريتين وترطيبه بالماء وتنقيته من الشوائب والحصى، ليسلمه بعد ذلك إلى المُعلّم، ويظل يراقبه وهو يشكله بواسطة الدولاب الدوار بكل خفة وهدوء إلى أوان وأباريق وقدور وأشكال أخرى كثيرة، كان مندور يتلقف تلك الأشكال الخزفية بعد الانتهاء من تشكيلها ليرصها إلى جوار بعضها تحت الشمس وينتظرها كي تجف.

وحين كان يتأمل تلك الأشكال الخزفية وهي متراصة إلى جوار بعضها البعض كان يتوق إلى ذلك اليوم الذي يستطيع فيه الجلوس على الدولاب الدوّار ليشكل بيده ما يريد، وبالفعل جاءت اللحظة التي كان ينتظرها، وبدأ يشكّل بنفسه على الدولاب الدوار.

كان الأمر شاقا على ولد في مثل سنه، لكنه سرعان ما أتقن العمل وأصبح تشكيل الطين عنده أشبه بعملية الشهيق والزفير يمارسه بسلاسة، ولا يستطيع الاستغناء عنه.

ومندور الذي تبنّاه المثال المصري الشهير محمد هجرس حين رأى فيه موهبة خارقة فقدّم له الكتب واصطحبه معه إلى المتاحف، كما فتح له محترفه الخاص، تعلّم من خلال اطلاعه على ما أبدعه القدماء في فن الخزف، فاضطلع على كل العصور والمدارس الخزفية.

وكانت لديه رغبة في تتبع أثر هؤلاء الكبار في ما يتعلق بالمهارة ودقّة الصنعة، لكنه لم يكن يسعى إلى التقليد، لقد شاهد وتأمل نتاج العصور المختلفة ليصنع لنفسه نسقا خاصا، يرتبط بإبداعات القدماء، لكنه في نفس الوقت يحمل سمته الخاص.

وتعلّم محمد مندور من الخزف الإسلامي والقبطي جمال الزخارف، وأخذ من الحضارة المصرية القديمة الاهتمام بالشكل في تناسقه ودقته وصياغاته المدهشة، فشكل على مدار السنوات ملامح تلك التجربة الفريدة في فن الخزف التي انصهرت في بوتقتها كافة العصور والأزمنة.

تقنية مندور اختلفت ما بين ملمس السطوح الخشنة وملمس السطح الناعم
تقنية مندور اختلفت ما بين ملمس السطوح الخشنة وملمس السطح الناعم

 

17