الحكمة المفقودة

الأربعاء 2014/06/11

الحكيم هو من يتعامل مع الآخرين على أنهم أذكياء فلا يستغبيهم ولا يتذاكى بأكثر من طاقته، وهو الذي يعرف قدر نفسه، ويدرك حقيقة حجمه وإمكانياته، والذي لا يفتح كل الجبهات في آن واحد، ولا يحسب الناس غافلين، والذي لا يستعدي الحليف الدائم من أجل حليف طارئ، ولا يطيح بواقع لا يرضيه من أجل وهم لا يتحقق.

ولكن ما حدث في منطقتنا العربية، يؤكد أن هناك من يفتقد فعلا إلى الحكمة، ولنا في قطر المثال، فقد وضعت كل البيض في سلّة الإخوان، ولما وقعوا وقعت منهم السلّة وانكسر البيض، فانهاروا في مصر، واستسلموا للواقع في تونس وغزة، وباتوا منبوذين في ليبيا، وفشلوا في سوريا، وضاعوا في متاهة الأحداث في العراق واليمن، وتم الكشف عن تآمرهم في دول الخليج، وخسروا المعركة في الجزائر وموريتانيا.

وبعد أن راهنت الدوحة بإعلامها ومخابراتها وداعيتها القرضاوي ومالها ودبلوماسيتها على الحيلولة دون وصول السيسي إلى الحكم، اكتشفت أن المصريين قرروا السير عكس مشيئتها فانتخبوا المشير، وسخروا من تحريض “الجزيرة”، ومن الفتوى القرضاوية بمقاطعة الانتخابات، وغيّروا مجرى الأيام في اتجاه مختلف تماما عن الاتجاه الإخواني الذي كانت تحاول قطر فرضه عليهم.

وأما قصة كأس العالم فستطرح علينا مستجداتها مع كل يوم جديد، وستكشف لنا عن حقائق تتجاوز الرشوة والفساد واستعباد بناة الملاعب، لتصل بنا إلى طبيعة الشبكة الأخطبوطية التي حاولت الدوحة تشكيلها عبر العالم من خلال مجالات عدة لا تستثني الرياضة، وقد كان من الممكن أن تمر المسألة بسلام وفي هدوء، وأن تستعد المنطقة العربية ودول الجوار لمونديال قطر 2022، ولكن كما يقول المصريون “دبور وزنّ على خراب عشّو”، فقد اعتقد القوم أنهم وصلوا إلى القمة، وأنهم أتوا بما لم يستطعه الأوائل، وأن عليهم التوسّع أكثر، وأنهم كما اشتروا ذمم بعض مسؤولي الفيفا، يمكنهم شراء ذمم مسؤولين ودول، والتأثير في قرارات الجامعة العربية ومجلس الأمن، وحاولوا وضع أياديهم على الأوضاع الداخلية في البلدان القريبة والنائية، لتكون النتيجة ما آلت إليه حاليا، حيث سقط القناع، وذاب جليد الحسابات الضيقة، ووصلت كرة الثلج إلى طريق مسدود في آخره نار موقدة.

ومع ذلك لا تزال قطر تتشدد في مكابرتها، وستكون أكثر تشددا، فالاعتراف بخسارة الرهان صعب جدا، وخصوصا على من يفتقد الحكمة في التعامل مع الآخرين ومع الظروف والمتغيرات.

24