"الحكم الجيد" الديمقراطية الحقيقية عند الفرنسي بيار روزانفالون

تجمع وسائل الإعلام الفرنسيّة على أن كتاب المفكر الفرنسيّ بيار روزانفالون “الحكم الجيد” الصادر حديثا عن دار “السوي” سيكون من الكتب الأكثر إثارة للجدل خلال هذا الخريف بسبب ما يحتويه من أطروحات وأفكار حول مفهوم الديمقراطية، وحول وضعها في الزمن الراهن في ظلّ المتغيّرات العالميّة.
الأربعاء 2015/08/26
بيار روزانفالون يكشف زيف الديمقراطيات

في مقدمة كتابه “الحكم الجيد” كتب المفكر الفرنسي بيار روزانفالون يقول “بإمكان أنظمة الحكم في بلداننا أن تدّعي أنها ديمقراطية، غير أننا لا نحكم ديمقراطيا”، ومعلقا على هذه الفكرة يقول في حوار أجرته معه الأسبوعية الفرنسية “لوبس” في عددها الصادر مطلع الأسبوع الثالث من شهر أغسطس 2015 “في أوقات الانتخاب، يشعر المواطنون- الناخبون أنهم يتحكمون حقّا في اللعبة السياسيّة. وهم بالفعل قادرون على أن يرفعوا من شأن هذا أو تلك أو يحطون من شأنهما معا. غير أن ذلك لا يدوم سوى يوم واحد، وحالما تنتهي الانتخابات مع ما يرافقها من مخادعات ومن انتصارات، يعاينون أن السلطات تبتعد عنهم، وأن المصلحة العامة تصبح رهينة للتجاذبات والنزاعات من مختلف الأشكال، وهذه القطيعة التراجيدية بين اللحظة الانتخابيّة ولحظة الحكم تزداد استفحالا يوما بعد آخر”.

ويرى بيار روزانفالون أن هناك بعدين لا بدّ من أخذهما بعين الاعتبار، البعد الأول يتمثل في أن اللغة التي ترافق العمليّة الانتخابيّة تكون عادة قائمة على إمكانيّة تغيير الواقع، وعلى الإكثار من الوعود. أما اللغة المتصلة بالحكم فهي تستوجب العودة إلى الواقع، والتذكير بالعراقيل التي تحول دون تحقيق الطموحات التي يتطلع إليها الناخبون.

هذا التفاوت بين اللغتين قد يفضي إلى عواقب لا تحمد عقباها. فقد يؤدي مثل هذا التفاوت إلى الحط من قيمة السياسة، فيتكاثر عدد الذين يقاطعون الانتخابات، بل قد تحوّل الانتخابات إلى مجرد لعبة تقوم على الخداع والكذب وعلى التنصّل من الوعود.

واعتمادا على هذا، يعتقد بيار روزانفالون أن المجتمعات التي تعتقد أنها محكومة ديمقراطيا هي في الحقيقة مجتمعات تعيش في ظلّ أنظمة الحكام فيها مقطوعين عنها. وأما الأحزاب فهي منشغلة دائما وأبدا بالعملية الانتخابية، وليس بالقضايا الأساسية التي تواجهها مجتمعاتهم.

كما يتحدث بيار روزانفالون في كتابه المذكور عمّا يسميها بـ”ديمقراطية التمرين”. وهو يحدد مفهومها على النحو التالي “إن الهدف من ديمقراطية التمرين هو تحديد المواصفات التي ننتظرها من الحكام، والقواعد التي تنظم علاقاتهم بالمحكومين، في إقامة مثل هذه الديمقراطية يتحدد ما هو أساسيّ. وبالفعل فإن جانبها السلبي هو الذي يسمح للذي ينتخب على رأس التنفيذي بأن يقودنا في حالات معينة إلى ظهور نظام غير ليبيرالي، بل دكتاتوري، وحاضرنا مليء بأمثلة من هذا النوع. وهذا ما نعاينه راهنا في بلدان مثل روسيا وتركيا وكازاخستان”.

ويطرح بيار روزانفالون ثلاثة مبادئ يمكن أن تنهض على أسسها الديمقراطية الحقيقية. وتتمثل هذه المبادئ في الشفافية، والمسؤولية، وفي ردّ الفعل. ومثل هذه المبادئ تسمح للناخبين حسب رأيه بأن يمارسوا وظائفهم الديمقراطية بصفة فعلية، وبأن يكونوا مراقبين لما يحدث بصفة دائمة. وهذا يعني أن تكون لهم نفس وظيفة نواب البرلمان. عندئذ يمكنهم أن يظهروا أن الحكم هو في الحقيقة والواقع علاقة مستمرة بين الحاكم والمحكوم، وليس مجرد عملية انتخابية. وعلى الحاكم أن يتحلى بالصراحة والوضوح في ما يفعل وفي ما يقول.

وعن الحركات السياسية الجديدة التي ظهرت في زمن العولمة مثل “أوكيبي ستريت”، و”الساخطون”، و”وبوديموس” في أسبانيا، يقول بيار روزانفالون “هذه الحركات تريد أن تنهي زمن الأحزاب القديمة التي لم تعد قادرة على مواكبة قضايا العصر، والمقطوعة عن مجتمعاتها. وهناك أيضا ضرورة البحث عن طرق جديدة للتمثيلية السياسية المباشرة للمجتمع. لذلك علينا أن نبعث للوجود حركات تكون مهمتها الحث على وجود نظام حكم جيد، والمطالبة بالمزيد من الشفافية، ومن المراقبة، وتوفير الوسائل اللازمة لمكافحة الفساد. على أن يكون الهدف الحقيقي لمثل هذه الحركات لا يتمثل في السلطة وإنما في المراقبة، والعمل على أن يكون نظام الحكم في خدمة المواطنين.

ويرى روزانفالون أن ما أضعف الديمقراطية هو الإنهاك الذي تعاني منه المؤسسات، وبروز طبقة سياسية تزداد يوما بعد آخر انقطاعا عن المجتمع، لذلك وجب التذكير بأن الديمقراطية هي في الأصل شكل من أشكال المجتمع. لذا لا بدّ من المساواة بين مختلف الطبقات، وفي انعدام مثل هذه المساواة، تصبح الديمقراطية ملغاة أصلا، ويصبح الحديث عنها مجرد لغو.

15