الحكواتي السوري عرفان خليفة.. دلفين بحر رشيق

الأربعاء 2014/01/15
عرفان خليفة حكواتي من طراز خاص

دمشق-يرتدي عرفان خليفة مدرس الموسيقى في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق شعرا مستعارا بلون زهري، وطوقا من الحشائش البحرية، ليتغزل بامرأة غائبة، واصفا وجهها “بفردة حذاء لامع ذي رائحة نفّاذة”، عرفان ليس فنانا عاديا، هو موسيقي ومصوّر فوتوغرافي، عرفان ظاهرة.

بالإضافة إلى غرابة الأطوار التي تحيط بشخصيته، يلعب دور الحكواتي ضمن سلسلة من “Video-art” التي ينشرها تباعا على Youtbe عبر محطته الخاصة، مقدما مونولوجات مصوّرة أشبه بالقصائد المليئة بالانطباعات والخواطر أو تعليقات مجازية على الأحداث الراهنة التي تمرّ بها سوريا. السمة السوريالة تطغى على هذه التسجيلات وأسلوب طرحها، بحيث تبدو الغرابة في اللغة التي يتمّ فيها التعبير بالإضافة إلى أسلوب السرد، لكن تجربة “الحكواتي” المتمثل بشخص عرفان نفسه وما “يؤديه” هي ما تضفي على التجربة جماليتها. متنكرا، يتمنى خليفة “أن تلحسه كلاب الزمن للأبد”، التنكر هو حرية جديدة، تكسب الراوي/ عرفان القدرة على أن يقول ما يريد، كشف جديد، يحرر ما في داخله ليقول كل ما يجول في عقله دون أي قيد. في “أغنية الفراشة رقم 3″: “الحمار أكل حبة ذرة، فتشردق بالموزة ووقع على حافة الصورة فشج أنفه”، يرسم السرد اللغوي صورة سوريالية تستدعي مخيلة الملتقي دون الاعتماد على الصورة بوصفها معادل لشيء يصعب تمثيله بصريا، بل يُكتفى بالمعنى المجازي الذي يؤمنه النص المحكي.

بالرغم من أن عرفان موسيقي ومدرس للموسيقى، لم يلجأ لها كأسلوب للتعبير الفني “فقد بدا واضحا تماما أنني لا أملك ملكة التأليف الموسيقي بالمعنى العميق الذي أفهم الفن به، لذلك لدي محاولات تأليف موسيقية، لكنها تبقى في درجي، لأنها بسيطة ومتواضعة”، إثرها، لجأ إلى التصوير الفوتوغرافي الذي درسه في فيينا، بالإضافة إلى أن “الفيديو آرت والسينما هما فنان أثيران على قلبي، ولو كانت توجد دراسة لإحدى هذه الفنون هنا في سوريا، لكنت مؤكدا قد درست إحداها”.

استثمر عرفان ميزات الـyoutube التواصلية لتكوين كولاج (قص ولصق) “صوت وصورة “، ففي الفيديو يمكن أن يكون العنصران موجودان في آن واحد. لكن عرفان استخدم كاميرا الفيديو بعقلية المصور الفوتوغرافي، وغالبا ما يستخدم كادر واحد، ولقطة واحدة، ثم يلجأ للنص الذي يلتصق بالصورة ليضفي على الفيديو المعنى “فهي عملية كولاج صورة وبجانبها النص”.

النصوص التي يلجأ إليها من تألفيه الخاص وبعضها يتسم بالقسوة والفجاجة، في فيلم بعنوان “28 /8 /2013″ نرى عرفان يخلق فضاء يشبه المعتقل، خلفية سوداء وهو شبه عار، ليبوح بقصيدة يختلط فيها العامي بالفصيح مع البذاءة وأحيانا يسترسل في الغناء، بصورة أقرب إلى الهلوسة. مما جعله يتعرض إلى الكثير من الهجمات بسب هذا الفيديو الذي رآه البعض داعما للنظام في سوريا، وأحيانا جاءت الردود كسباب وشتائم، إلا أن رحابة صدر عرفان جعلته يردّ على التعلقيات بصورة عقلانية وكل يناسب اللغة الذي تحدث بها.

تجربة عرفان خليفة مميزة لأنها توظف تكنولوجيا التواصل الاجتماعي ومنصة النشر الرقمية youtube، لإيصال صوته، أو بصور أدق مخاضه، في محاولة لإضفاء صورة فنية على معاني يختزلها عرفان في توليفة “صورة/ نص”، حيث يندرج هذا النوع من التواصل في علوم الاتصال ضمن ما يعرف بـ”self-massmedia” التي تمكن الشخص من توليد محتوى شخصي، لكن يمكن تداوله جماهيريا إذا لقي الرواج الملائم. فهناك تكثيف دلالي أقرب للدادائي يستخدمه عرفان من حيث مزج النص وأسلوب إلقائه بصورة أقرب إلى التهكم، ثم الخطابة تحفز المتلقي وتثير أعصابه في بعض الأحيان، حيث تتداعى أفكار عرفان أمام العدسة دون أي عائق.

تجربة عرفان لا تقتصر على تسجيلات الـ”self –portrait”، بل يمتلك عدة أفلام قصيرة منها “قشمند” وآخر بعنوان “اللاجئ الصغير”، بالإضافة إلى فيلم بعنوان “لارجو” هو أقرب إلى كولاج، حيث يستعرض عرفان مجموعة صور التقطها بنفسه متنوعة تشكل متتالية “شعرية/ بصرية” تحيك المعنى مجازيا بعيدا عن إطالات السرد التقليدي. يذكر أن الأفلام من النوع الأول كانت جهودا شخصية بحتة بالإضافة إلى من يقوم بالتصوير ومختص يقوم بعملية المونتاج.

16