الحكومات العربية في خندق التخبط بين وفرة النفط وأزمة المياه

الأربعاء 2013/12/18
ندرة المياه خطر يهدد موارد العالم العربي

ينظر إلى المنطقة العربية على أنها تتمتع بالكثير من الثروات الطبيعية كالنفط، وأنها بلغت مستوى عاليا من التحضر يعكسه حجم المباني ورقيها، لكنها تفتقر إلى واحد من أكثر الموارد الضرورية لبقاء الإنسان على قيد الحياة وهو الماء.

تواجه المنطقة العربية تحديات كبيرة في مجملها في ظل التغييرات التي مرت بها بعض الأقطار العربية في ما سمي بموجة الربيع العربي، والتي خلفت وراءها فضلا عن التحولات السياسية والنظم الجديدة، تغييرات اجتماعية واقتصادية، ولا شك أن التحديات المائية هي جزء لا يتجزأ منها.

وتشكل قضية المياه تحدياً حقيقياً في جميع المجتمعات حول العالم، إلا أنها في المنطقة العربية تكتسب أهمية حاسمة بعد بروز ظاهرة الجفاف في العديد من بلدانها، الأمر الذي يهدد بأزمة مائية حقيقية نظرا إلى ارتباط العنصر المائي بالعديد من العناصر الحيوية كالأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي، والتنمية الإنسانية، وهو ما ينعكس سلبيا على الاستقرار السياسي الذي تنشده المنطقة العربية.

وقد حازت أزمة المياه في الوطن العربي محاور اهتمام السياسيين والخبراء والباحثين من أجل اتخاذ التدابير الأساسية لإدارة الموارد المائية في المنطقة، كالتعزيز من حوكمة المياه ودورها المهم في التنمية البشرية المستدامة على مستوى المنطقة العربية بعد أن حذرت تقارير من الخطر الذي يتهدد العنصر المائي في المنطقة والذي يتجه نحو مستويات تنذر بعواقب وخيمة على التنمية البشرية.


حوكمة المياه


في هذا الصدد، يفيد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دراسة جديدة نشرت هذا الأسبوع، بأن “المواطن العربي العادي لديه ثماني مرات أقل قدرة على الحصول على المياه المتجددة، من المواطن العادي العالمي وأكثر من ثلثي موارد المياه السطحية تنبع من خارج المنطقة”.

ويحذر التقرير – المعنون “حوكمة المياه في المنطقة العربية : إدارة الندرة و تأمين المستقبل”- من أن ندرة المياه في المنطقة تتوجه بسرعة نحو “مستويات تنذر بالخطر، وبعواقب وخيمة على التنمية البشرية”.

فالمنطقة العربية، التي يعيش فيها حوالي خمسة في المئة من سكان العالم البالغ عددهم أكثر من سبعة مليارات نسمة، والتي تحتل 10 في المئة من مساحته، تمثل أقل من واحد بالمئة من الموارد المائية العالمية، وحسب التقرير فإن حصة المنطقة من الموارد المائية المتجددة سنوياً هي أقل من واحد في المئة أيضا، وهي تتلقى 2.1 في المئة فقط من متوسط هطول الأمطار السنوي العالمي.

كما أن أكثر من 87 في المئة من تضاريس المنطقة عبارة عن صحراء ويقع فيها 14 دولة من أصل 20 تعاني من نقص المياه في العالم، وفقا للتقرير الأممي.

في هذا الشأن، تقول مود بارلو -المستشارة الرفيعة السابقة في الأمم المتحدة في قضايا المياه ومؤلفة كتاب “المستقبل الأزرق، حماية المياه من أجل الناس وكوكب الأرض إلى الأبد”- إن الشرق الأوسط يعاني من “أزمة مياه”، فيما يمثل التصحر مشكلة واسعة في بلدان مثل سوريا والأردن والعراق وإيران.

وأضافت أن أعظم المشاكل هي الممارسات الزراعية غير المستدامة التي أسرفت في استهلاك المياه الجوفية في المنطقة. وتحذر: ”السدود والتحويلات لأغراض الري الثقيل تدمر مصادر المياه بمعدل ينذر بالخطر”.

المنطقة العربية فقدت منذ عام 2003 مياها جوفية بقدر أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقا، واستنزفت موارد المياه الجوفية في العديد من الدول العربية بكميات تتجاوز معدلات تجددها طبيعياً


ندرة المياه.. ناقوس الخطر


ويذكر أن دراسة أجرتها وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” مؤخرا، أفادت بأن المنطقة قد فقدت منذ عام 2003 مياها جوفية بقدر أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقا، إذ نجد موارد المياه الجوفية في العديد من الدول العربية تُستَنزَف بكميات تتجاوز معدلات تجددها طبيعياً، كما تُسجَل أعلى معدلات استهلاك السكان للمياه في الدول العربية الأكثر فقراً من حيث توافر الموارد المائية. والنتيجة هي أن مستويات المياه والتي هي بالأساس منخفضة نظرا إلى جفاف مناخها، تتسارع مستويات انخفاضها بسبب ما نتخذه من قرارات بشأن استخدامها.

هذا وعلى ضوء تهديدات ندرة المياه في المستقبل، قامت العديد من الدول العربية بما فيها الإمارات العربية المتحدة بتوسيع استخدامها للموارد المائية غير التقليدية، بما يشمل تحلية مياه البحر، ومياه الصرف الصحي المعالجة، وحصاد مياه الأمطار، واستمطار السحب، واستخدام مياه الصرف للري.

وحالياً، تقود المنطقة العربية العالم في مجال تحلية المياه، بأكثر من نصف القدرة العالمية. ومن المتوقع أن تتوسع عمليات تحلية المياه من 1.8 في المئة من إمدادات المياه في المنطقة، إلى ما يقدر بنحو 8.5 في المئة بحلول عام 2025.

كذلك من المتوقع أن تتركز معظم الزيادة في البلدان المصدرة للطاقة ذات الدخل المرتفع، وبخاصة دول الخليج، لأن تحلية المياه تستهلك الكثير من الطاقة ورأس المال، وفقا لدراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ولقد سبق أن حذر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، من أن نقص المياه يسبب المصاعب الاجتماعية ويعيق التنمية. وقال إنه “يخلق توترات في المناطق المعرضة للصراع.

وفي غضون ذلك، تلاحظ دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التحديات الكبيرة لقطاع المياه في المنطقة تشمل المؤسسات المجزأة ذات المسؤوليات غير الواضحة والمتداخلة، وعدم كفاية القدرات والتمويل، ومركزية صنع القرار، وعدم الامتثال للوائح، والإنفاذ غير الفعال، ومحدودية الوعي العام.

وبمناسبة إطلاق التقرير الجديد في البحرين، تحدثت مساعدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومديرة المكتب الإقليمي للدول العربية، سيما بحوث، قائلة إنه يجب التعامل مع أزمات المياه باعتبارها مسألة ذات أولوية وملحة، وتستحق مزيدا من الاهتمام والالتزام السياسيين حتى في خضم البيئة السياسية الصعبة في المنطقة اليوم.

ومن جانبها، قالت مود بارلو -المستشارة الرفيعة السابقة في الأمم المتحدة في قضايا المياه- لوكالة إنتر بريس سيرفس: “لقد مكنت الثروة النفطية في المنطقة العربية بعض الدول من إخفاء الفقر المائي وإعطائها الانطباع الخاطئ بأنه يمكنها شراء طريقها للخروج من الأزمة المقبلة”.

وأضافت: “الدول العربية الغنية في الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة، والتي لديها أعلى نصيب للفرد من البصمة المائية في العالم، تفرط في استخراج المياه من الخليج بسبب مشاريع تحلية المياه الضخمة، وذلك باستخدام إمدادات المياه الشحيحة لبناء المدن وري الصحاري”.

وأشارت أيضا إلى أن 70 في المئة من محطات تحلية المياه في العالم، توجد في هذه المنطقة، والعلماء يحذرون الآن من “ذروة الملح”، وهي النقطة التي يصبح فيها الخليج مالحاً إلى حد يصبح فيه الاعتماد عليه لتحلية المياه غير مجد اقتصاديا.

وقد كشف مراقبون أن معظم مياه الصرف الصحي في المنطقة، بما فيها البلدان الغنية، لم يتم علاجه بشكل صحيح، ونتيجة لذلك، تلوثت الأنهار والخليج بشكل كبير. وعلى ضوء الطلب المتزايدة على المياه، والإمدادات المتضائلة، والتلوث المتفشي أصبح العالم العربي يواجه مشكلة مياه خطيرة، وقد أطلقت دعوات إلى معالجة قضية المياه والاهتمام بها بذات القدر من الاهتمام بالموارد الطبيعية الأخرى.


إقرأ أيضا في العرب:


تحديات أزمة المياه في دول الخليج العربي

6