الحكومات تتخلى عن قوة تاريخية بترك الصحف تعيش أزمتها

تدفع الصحف اليوم ثمن نجاحها ولا يظهر أي اهتمام جدي في العالم العربي بمصيرها، لا توجد ضغوط حقيقية على الحكومات العربية الثرية لإنقاذ الصحف بوصفها ركيزة أساسية لدينامكية مجتمع متوازن وأداء حكومي تحت المراقبة.
الجمعة 2020/05/01
الصحافة لن تموت

يشك كاتب صحافي بريطاني على درجة من الأهمية في صناعة الأفكار مثل سيمون جنكينز، بأن ثمة من سيصطف في الشوارع للتصفيق للصحافيين بعد انتهاء وباء كورونا. ليس لأن لا أحد يقدّر دور الصحافيين في المجتمع، بل لأن الحكومات مستمرة بإثارة الشكوك عن دور الصحافة “هل أذكركم بما يدور على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل دائم عندما يجعل الأكاذيب صنوا للصحافة”؟ لا أهمية لهذه الشكوك اليوم في وقت استعاد الجمهور الثقة بالصحافة بوصفها المصدر الأكثر مصداقية بكل ما يتعلّق بمصير العالم مع وباء كورونا، بينما الصحافة نفسها تعاني من أزمة وجودية واقتصادية متعلقة بمصيرها.

المثير في الأمر أن الصحف تستعيد تأثيرها على الجمهور وهي تتابع مصير العالم تحت وطأة انتشار الوباء، في وقت تعاني من أزمة اقتصادية متصاعدة ومستمرة تهدد وجودها أصلا. لذلك يرى جنكينز أن الصحافة تستحق أكثر من التصفيق من قبل الجمهور لدعمها من أجل الاستمرار اليوم والثناء عليها بوصفها المصدر الأكثر مصداقية بكل ما يتعلق بكورونا.

مثلما لا يوجد لقاح يعالج الفايروس لحد الآن، فإن المصارف ليست أطباء اقتصاد العالم، والحكومات لا تمتلك حلا استراتيجيا وهي تترقب المجهول، فان الصحافيين وهم يقدمون خدمة عامة للمجتمع غير قادرين وحدهم على إنقاذ الصحافة من أزمتها الوجودية.

قبل أزمة انتشار وباء كورونا، وضع مايكل أوسترهولم، أستاذ علم الأوبئة في جامعة مينيسوتا الأميركية، تصوّرا لسيناريو وبائي في كتاب “العدو الأكثر فتكا” “أعيد إصدار الكتاب بنسخة محدثة الأسابيع الماضية”، تنبأ بأن أول الضحايا سيكون نموذج الأعمال العالمي الآني “لم يكن يفكر بأزمة الصحف وحدها”، لذلك يتم الاستشهاد بأفكار هذا الكتاب فيما ينظر إلى الهوة التي تتوسع أمام الصحافة بشكل عام في دول العالم أجمع.

لقد أصبح من الواضح يوما بعد آخر أن الصحف لا تستطيع الاستمرار تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، فتوقف إصدار الغالبية العظمى منها، وتم تسريح العاملين أو منحهم إجازات غير مدفوعة، وأعلنت صحف كثيرة عن إفلاسها في أكثر بلدان العالم ديمقراطية التي تفضل دولة من دون حكومة على دولة من دون صحافة، لكن الذي يحدث اليوم أمر غير مسبوق في تاريخ وسائل الإعلام.

فما الذي يجب القيام به لمساعدة هذه الصناعة؟ ما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟ هل يجب أن تكون هناك حكومة إنقاذ معنية بالصحافة؟

هل تصدر الحكومات قرارات ملزمة تجبر المنصات الرقمية الكبرى مثل غوغل وفيسبوك وأمازون على دعم صندوق عام لوسائل الإعلام؟

واقع الحال، أن العالم الغربي مشغول بشكل لا سابق له بشأن مصير الصحافة، وهناك كلام كثير وآراء ومقترحات وضغوط على السلطات، فيما لا يظهر أي اهتمام جدي في العالم العربي بمصير الصحافة، لا توجد ضغوط حقيقية على الحكومات العربية الثرية لإنقاذ الصحف باعتبارها ركيزة أساسية لدينامكية مجتمع متوازن وأداء حكومي تحت المراقبة.

من الواضح أن الحكومات العربية لا تضع استراتيجيات لإنقاذ الصحف من أزمتها من أجل إبقائها تترنح ومن ثم إخضاعها، كما فعلت عبر تاريخها المعاصر. لكنها بتخليها عن الصحف تصارع أزمتها من دون أي دعم، ترتكب خطأ فادحا بإنهاء وجود الصحافة الحرة، وتفتح الباب أمام الفساد والأداء المؤسساتي المترهل وخنق الأفكار والمواهب، فالصحافة كقوة تاريخية ليست صوتا أحاديا لأخبار الحكومة وحدها. وهاهي اليوم تدفع ضريبة نجاحها بمحاصرتها ماديا من أجل قتلها.

هذا الأسبوع ناقشت مجلة “كولومبيا جورنالزم ريفيو” المعنية بشؤون وسائل الإعلام، مستقبل الصحافة والحلول المقترحة مع نخبة من خبراء الإعلام والصحافيين والمشتغلين في هذا القطاع.

لا يرى فيكتور بيكارد الأستاذ في جامعة بنسلفانيا ومؤلف كتاب “الديمقراطية بدون الصحافة” الذي صدر حديثا، أن ثمة حلا تجاريا لإخراج الصحافة من السوق الكاسدة. بل تحتاج إلى تمويل طارئ.

ويعبّر عن اعتقاده بأن الصحافة كانت تعاني من حالة فوضى قبل انتشار الوباء، مع ذلك بقيت مصدرا رئيسيا للأخبار مع أنها مكبّلة بالأزمات.

ويذهب بيكارد إلى القول أن الأموال يجب ألا تذهب إلى المشاريع التجارية الفاشلة في الإعلام بل إلى مصادر إخبارية تؤمن بجوهر الصحافة كخدمة عامة تقدم للمجتمع والحكومات في وقت واحد. ويعيد كريغ هارون، وهو رئيس منظمة تدعو إلى الصحافة الحرة في الولايات المتحدة، الفكرة القديمة بشأن الإنفاق الإعلاني من قبل الحكومات باعتباره وسيلة دخل للشركات ودور النشر.

فيما كررت بقية الآراء، الأفكار السائدة والمتداولة بشأن الدعم الإعلاني الحكومي، وتحمل السلطات لجزء من رواتب الصحافيين وإنشاء صناديق تحوط ودعم يحول دون توقف الصحف عن الإصدار… وفي حقيقة الأمر أن الأفكار المتداولة لا توفر لحد الآن الحل مثلما تحرك نخبة من السياسيين والأثرياء ورجال الأعمال إلى إنقاذ صحيفة جويش كرونيكل، أقدم صحيفة يهودية تمكنت من البقاء في سوق العمل البريطاني.

ثمة إصرار حقيقي من رأس المال مدعوما بالعمل لإنقاذ أول صحيفة يهودية تأسست عام 1841، بعد أن انهارت تحت وطأة تداعيات انتشار وباء كورونا والأزمة المستمرة التي تمر بها الصحف البريطانية. مثل هذا الإيثار، نفتقد له في عالمنا العربي لإنقاذ قوة تاريخية ممثلة بالصحافة وعلاقتها بالمجتمعات.

18