الحكومات تلوي عنق الأكاذيب لتتهم الصحافة

الخميس 2013/12/05
"شكرا سنودن على كشف أكاذيب الحكومات".. شعار رفع أمام البيت الأبيض

وصف كارل بيرنشتاين الصحفي والكاتب الأميركي الذي ساهم في كشف تداعيات فضيحة "ووتيرغيت" استجواب ألان روسبريدغر رئيس تحرير صحيفة الغارديان البريطانية من قبل مجلس العموم بعد كشف وثائق سنودن حول التجسس الأميركي، بـ"الغرض الخبيث والخطير".

واتهم بيرنشتاين الحائز على جائزة بوليتزر عام 1973، السلطات البريطانية بتحويل قضية كشف التجسس من إدانة سلوك الحكومة الأميركية والبريطانية حول السرية المبالغ فيها، إلى اتهامات موجهة إلى الصحافة.

تزامن ذلك مع تأكيد رئيس تحرير الغارديان ألان روسبريدغر أمام لجنة برلمانية أمس، تعرض صحيفته لضغوط وترهيب لمنع نشر وثائق سنودن، موضحا أنه لم ينشر حتى الآن سوى 1 في المئة من تلك الوثائق.

وقال بيرنشتاين "يبدو أن واشنطن ولندن عازمتان على إقامة حواجز خطيرة ضد مشروعية نشر الأخبار من أجل خدمة مصالح ذاتية، وتسويغ ذلك تحت بند السرية لنشاطات الحكومة".

وعبر الكاتب والصحفي الذي كتب التقارير الإخبارية الأكثر أهمية عن فضيحة ووترغيت التي تسببت في استقالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون آنذاك، ونشر مجموعة من المؤلفات حول سوء استخدام السلطة، عبر عن إعجابه بالمهنية العالية التي تعاملت معها الغارديان في نشر وثائق أدورد سنودن.

وقال كارل بيرنشتاين (79 عاما) في رسالة مهنية وعاطفية إلى رئيس تحرير صحيفة الغارديان قبل أيام من استجوابه في مجلس العموم البريطاني "إن سجل الصحفيين، في بريطانيا والولايات المتحدة في التعامل مع المعلومات الأمنية، كان يتسم بالوطنية منذ الحرب العالمية الثانية، دون أن يتسبب في الضرر للديمقراطية أو التخلي عن أسرار حقيقية لأعداء حقيقيين".

واشنطن ولندن عازمتان على إقامة حواجز خطيرة ضد مشروعية نشر الأخبار من أجل خدمة مصالح ذاتية، وتسويغ ذلك تحت بند السرية لنشاطات الحكومة
واشنطن ولندن عازمتان على إقامة حواجز خطيرة ضد مشروعية نشر الأخبار من أجل خدمة مصالح ذاتية، وتسويغ ذلك تحت بند السرية لنشاطات الحكومة

وأضاف في الرسالة التي نشرتها صحيفة الغارديان "في مقابل السجل الوطني للصحفيين، هناك سلسلة من الأكاذيب للحكومات ورؤساء وزراء ورؤساء عندما يتعلق الأمر بالمعلومات التي يجب أن تكون معروفة لمناقشتها في مجتمع حر، وخاصة في السنوات الأخيرة".

وأكد أن الوثائق التي نشرتها صحف الغارديان وواشنطن بوست ونيويورك تايمز استنادا إلى معلومات سنودن، لا تكشف بتهور أسرار الأمن القومي كي يستفيد منها الإرهابيون أو الأعداء.

وأوضح أن إدارة التحرير حرصت على عدم نشر وثائق قد تعرض حياة عملاء سريين للخطر.

وعبر عن استخفافه بالقول إن نشر وثائق سنودن ساعدت الإرهابيين، بقوله إنهم "الإرهابيون" لم يكونوا في انتظار نشر وثائق السيد سنودن أو صحيفة الغارديان لكي يعرفوا إن المخابرات الأميركية كانت تراقبهم.

وأشار إلى إن التقدم التكنولوجي أسهم في نشر المعلومات أسرع مما كان، ولا يجب الاستغراب من نشر هذه الوثائق اليوم، مذكرا بما كان يعرف بتسريب الأخبار من قبل كبار المسؤولين الحكوميين من البيت الأبيض حتى 10 داوننغ ستريت، إلى الصحفيين بعد التعهد بعدم  كشف هوياتهم.

وقال "مع كل ذلك، معروف عن صحف الغارديان وتايمز والواشنطن بوست، الذهاب في أشواط طويلة من التشاور مع 10 داوننغ ستريت والبيت الأبيض ووكالات المخابرات قبل نشر معلومات معينة، وفسح المجال لتبديد المخاوف والتحاور بشكل معقول".

وأضاف "إن الجديد في نشر وثائق سنودن ليس ما تزعم به الحكومة من تهديد الأمن القومي، بل كيف يتم إجراء الرقابة الحكومية من قبل وكالات الاستخبارات دون رقابة مناسبة من قبل السلطتين التشريعية والقضائية للحكومة. وتقويض حقوق المواطنين".

وشدد بقوله إن وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة قد التفت على الرقابة بشكل متعمد ومخادع عندما تجسست على الأشخاص والمؤسسات، دون التنسيق مع السلطات القانونية. فيما يفترض أن تكون الحكومة تقوم بعملها في الإشراف على هذه الهيئات والحد من عمليات التخريب.

وطالب بأن يكون هذا موضوع النقاش العام الشرعي والضروري الذي يجب أن يجري في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأماكن أخرى، بدلا من محاسبة الصحف على نشر المعلومات.

وقال في ختام رسالته "بدلا من تخويف الصحفيين وإحالتهم إلى الاستجواب، فإن الفرصة مواتية اليوم لفتح نقاش حول قدرات جمع المعلومات الاستخبارية الإلكترونية، ومنعها عن الوصول إلى الإرهابيين الحقيقيين، في الوقت نفسه يجب اتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان عدم إساءة استخدام هذه القدرات بطريقة من شأنها أن تلغي حقوق وخصوصية المواطنين الملتزمين بالقانون".

وذكّر بقوله "التوتر قائم حول دور الصحافة، وهو جزء من أهداف الديمقراطية. ولكن كما تعلمنا في الولايات المتحدة خلال تجربتنا مع فضيحة ووترغيت، من الضروري ألا تضع أية حكومة قيودا من الترهيب أمام الصحافة الحرة، وإلا فستبقيها في الظلام، ونحن علينا أن نقاوم خطر وقوع الديمقراطية فريسة للاستبداد والديماغوجية وحتى الإجرام من قبل القادة المنتخبين والمسؤولين الحكوميين".

وتأتي رسالة الصحفي الأشهر، لتفاقم الجدل حول عمليات التجسس التي تقوم بها الحكومات، في وقت أدلى ألان روسبريدغر رئيس تحرير صحيفة الغارديان بشهادته أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان أمس، بشأن نشر صحيفته تسريبات المتعاقد الاستخباري الأميركي السابق إدوارد سنودن.

وقال روسبريدغر إن صحيفته لن تخضع للترهيب وماضية في نشر المزيد من وثائق سنودن، مؤكدا أن استمرار عملية نشر الوثائق لا يعني بأي حال من الأحول التصرف بتهور.

وخلال لجنة الاستماع فوجئ روسبريدغر بسؤال رئيس اللجنة له، هل تحب وطنك؟ وأجاب "إن أغلبية العاملين على هذه الوثائق بريطانيون، ويحبون بلدهم، أنا متفاجئ من سؤالك".

وأوضح أمام البرلمانيين في جلسة استمرت ساعة كاملة، أنه لم يحدث أن تفاعلت قصة إخبارية في الآونة الأخيرة مثلما تفاعلت الحكومات والبرلمانات والجمهور في جميع أنحاء العالم مع ما تم نشره من وثائق سنودن.

وقال روسبريدغر إن سنودن، سلم 58 ألف ملف لصحيفتي الغارديان وواشنطن بوست ومكان بألمانيا ومكان في ريو دي جانيرو.

ولدى سؤاله عن بقية التسعة وتسعين بالمئة من الملفات، أجاب أن "هذه قصة جارية نكتب عنها".

وكانت صحيفة الغارديان نشرت معلومات سربها سنودن عن قيام أجهزة استخبارية أميركية وبريطانية بمراقبة الاتصالات.

وكشفت وثائق سنودن، الذي يقيم حاليا في موسكو، عن قدرة الوكالات الاستخبارية على الدخول على اتصالات الإنترنت للملايين من المواطنين العاديين عبر برنامج في جهاز رئاسة الاتصالات الحكومية.

وجاء خبر مثول روسبريدغر أمام اللجنة البرلمانية في وقت دعاه فيه النائبان المحافظان جوليان سميث وستيفن فيليبس إلى توضيح هل إنه "أخذ بكل التحفظات الأمنية التي أبدتها الحكومة" بشأن القصص الإخبارية.

وسبق أن رد رئيس تحرير الغارديان على انتقادات سياسية أميركية في ندوة أقيمت في نيويورك مؤخرا، متهمة الصحافة بأنها تغذي القصص الإخبارية الحساسة من أجل الحصول على المزيد منها. بقوله "الرئيس لم يعمل أبدا في غرفة الأخبار كي يعرف ذلك".

واعترف روسبريدغر بأن باراك أوباما رجل لطيف، لكنه عندما يطوق الصحافة، أو يتهمها بتغذية تداعيات قصص التجسس ويطالبنا بتقنينها، فإنه بالتأكيد يسيء فهم طبيعة الأخبار وهدفها.

18