الحكومة التركية تتصالح مع الغرب عبر الكنيسة

الأربعاء 2015/01/07
الحكومة التركية ترى ابتلاع حقوق المسيحيين أمرا عاديا

أنقرة- تتودد الحكومة التركية الى المسيحيين ببناء أول كنيسة لهم منذ قيام الجمهورية بعد أن كانوا يعانون طوال عقود من مشكلات عميقة باعتبارهم أقلية، زاد من حدة ذلك صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان الى السلطة.

لا يصعب على المتابع للشأن التركي سماع أنين مكتوم يطلقه المسيحيون من وقت الى اخر في بلد يسيطر الإسلام السياسي على الحكم فيه.

ولا يتجاوز عدد المسيحيين في تركيا نسبة واحد بالمائة، غير أن مسيحيي الروم الأرثوذكس يواجهون بشكل خاص مشكلات عدة. ويقدر عدد سكان تركيا بنحو 80 مليون نسمة بينهم حوالي 120 ألف مسيحي، أي أقل من نسبة واحد بالمائة من مجموع السكان.

وثمة ارتباط بين ما هو تركي وما هو إسلامي. فمكانة المواطن الحقيقي من وجهة نظر النظام الحاكم هو المسلم أما غير المسلمين فهم محل تشكك. ولا يتمتع المسيحيون بنفس الحقوق خاصة فيما يتعلق بالأمور ذات صلة بالحرية الدينية.

وبعد الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية التركية رسمت معاهدة لوزان عام 1923 الوضع الخاص للمسيحيين اليونان الأرثوذكس، فأصبح بوسعهم إقامة مدارسهم ومنشآتهم الخاصة، غير أن الدولة لا تمنحهم كامل الحقوق. ورغم انه يوجد في تركيا مدارس وصحف لليونان الأرثوذكس وكذلك بطريركية، غير أن معهد “هالكي” للاهوت الأرثوذكسي مغلق منذ عام 1971 ولم تتم إعادة افتتاحه رغم كافة الوعود.

وتواجه الحكومة التركية ضغطا كبيرا من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي لتوسيع مساحة الحقوق التي يتمتع بها المسيحيون الاتراك. ويبدو ان الحكومة تحاول امتصاص السخط المتزايد تجاهها، خاصة عقب تصاعد اجراءات استهداف الحريات السياسية في البلاد مؤخرا.

منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية ارتفع عدد المسيحيين في تركيا نتيجة هجرة السوريين إليها

وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في اجتماع لممثلي الأديان عقد في اسطنبول هذا الاسبوع إن تركيا ستسمح بإنشاء أول كنيسة مسيحية منذ تأسيس الجمهورية الحديثة عام 1923.

وصبغ أوغلو القرار بصيغة حكومية تومئ برغبة حزب العدالة والتنمية الحاكم في احتواء الاقلية المسيحية عندما أكد خلال الاجتماع إن الكنيسة السريانية ستقام على أرض مملوكة للدولة في منطقة يشيل كوي بإسنطبول، حسبما أفادت وكالة الأناضول الرسمية.

وكانت تركيا في السابق تسمح فقط بتجديد الكنائس الموجودة بالفعل. ولم يحصل المسيحيون الارثوذكس على أي تصريح لبناء دور العبادة لهم طوال تلك العقود التي أعقبت قيام الجمهورية، رغم التوجه العلماني الصارم الذي اتبعه كمال الدين أتاتورك.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، ازداد عدد المسيحيين في البلاد نتيجة هجرة المسيحيين السوريين بأعداد كبيرة الى تركيا خوفا من انتقام الجماعات المتشددة التي تقاتل من أجل اسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

وينتمي المسيحيون السوريون إلى واحدة من أقدم الطوائف المسيحية في العالم. غير أن أعمال العنف التي تعصف بالبلاد دفعت البعض إلى الذهاب لتركيا المجاورة.

ووصف أحد الكهنة الأرثوذكس كيف أسهمت أعمال اضطهاد المسيحيين والمغول والأتراك في تراجع العدد وتركت حفنة صغيرة من الرهبان يكافحون من أجل بقاء الأديرة نابضة بالحياة.

وقال الأب يواكيم، الذي تحدث الى شبكة “بي بي سي” البريطانية “عندما عدت في 2012 (من رحلة تبشيرية طويلة في أوروبا) طلبت من الحكومة التركية إذنا لإعادة فتح الدير ووافقت.”

وأضاف “دفعوا مقابل الطريق المسفلت الجديد الذي يفضي إلى سفح الجبل، ودفعوا رسوم توصيل الكهرباء. ودفعنا (نحن) مقابل الطريق الصاعد إلى هنا ومقابل إجراء أعمال الترميم.”

ولم يكن من السهل بالنسبة الى يوكايم الحصول على إذن من الحكومة. وأشار الكاهن إلى الدور الذي أسهمت به ضغوط الإتحاد الأوروبي تدريجيا في تغيير السياسة التركية قائلا “كان الأمر سهلا للغاية.”

فالتر فليك: الدولة صادرت أملاك المسيحيين اليونان الأرثوذكس

وأضاف “يدرك السياسيون حاليا أنه من الجيد أن نكون هنا. لقد عاد أعضاء أثرياء من طائفتنا من أوروبا وهم يستثمرون مدخرات عمرهم.” وتوقف عن الحديث ثم عاد وقال “الأكثر صعوبة هو النزاع على الأراضي مع الجيران الأكراد.”

وأضاف “في بعض المناطق يستخدمون كنائسنا كحظائر، بالطبع نحن أقلية، لكن عضو البرلمان المحلي الذي يمثلنا حاليا مسيحي من طائفتنا. إنه يمثل الحزب الكردي، وربما يتمكن من تسوية خلافاتنا.” ويواجه المسيحيون أيضا أزمة قيادة في ظل عدم الاعتراف بالبطريرك الذي يترأس الكنيسة الارثوذكسية في تركيا.

ويقول فالتر فليك، الخبير في الشؤون الدينية لدى الفرع الألماني للجمعية الدولية لحقوق الإنسان، “هو بطريرك مسكوني يمثل 300 مليون من المسيحيين الأرثوذكس لكن لا يمكنه حمل هذا اللقب التاريخي الذي يعود بالشكل المتعارف عليه منذ القرن السادس”.

ويضيف “لقد صادرت الدولة أملاك المسيحيين اليونان الأرثوذكس الذين فقدوا عبر عقود العديد من المنشآت، مثل المحلات ودور الأيتام وغيرها من المنشآت. إن ذلك يصيب بالطبع عصب الكنيسة، لاسيما وأن المسيحيين اليونان الأرثوذكس والذين يتراجع عددهم في تركيا بشكل متزايد، يعتمدون على عائدات تلك المنشآت”.

وأكد فليك “لقد تعهد (رجب طيب) أردوغان حينما كان رئيسا للوزراء في عام 2011 بإعادة تلك المنشآت، وهو ما حدث بشكل جزئي، غير أن ذلك لم يكتمل بعد”. ويحمل المسيحيون الأرثوذكس قائمة طويلة من المطالب التي مازالت تشغل رفوف الحكومة الاسلامية المحافظة.

وينتظر المسيحيون بفارغ الصبر عقد اجتماع للطوائف الأرثوذكسية المختلفة في اسطنبول عام 2016. ويتساءل المراقبون على هامش هذا المؤتمر العالمي ما المنتظر من الحكومة التركية؟

ويطرح قادة الطائفة المسيحية الاجابة عن السؤال، ويلخص باحثون المطلوب في إعادة فتح معهد هالكي للاهوت الأرثوذكس وكذلك أملاك الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية بالكامل.

ويضيفوا أنه من المهم أيضا أن تحصل الكنائس في تركيا على صلاحية قانونية وهو ما يطالب به البطريرك، حيث يمكنها شراء ممتلكات والحصول على سجل لها.

12