الحكومة التركية تتوقع التزام الإسلاميين بالقواعد

لا يريد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مجرد القيادة السياسية، بل يريد أيضا أن يتم الاعتراف به كقيادة للنشاط الإسلامي في البلاد.
الجمعة 2018/07/27
إسلاميون على هوى إسلامية العدالة والتنمية

كانت نزيهة محيي الدين (1898 – 1958) شخصية بارزة في حركة حقوق المرأة التركية في ثلاثينات القرن الماضي، ومدافعة قوية عن المساواة المطلقة بين الرجال والنساء.

وباعتبارها شخصية نسائية نشطة حداثية، كان ينبغي أن تكون نزيهة محيي الدين نموذجاً يحتذى به للجمهورية العلمانية الجديدة، التي أكدت أن أحد أهدافها الرئيسة هو تحرير المرأة.

لكن رغم كفاحها من أجل حقوق المرأة، لم تقدّر الجمهورية العلمانية نزيهة محيي الدين. وتم حظر حزبها، حزب الشعب النسائي، وتم رفض ترشحها للبرلمان. وعرقل النظام الجديد جميع أنواع الأنشطة السياسية لمحيي الدين.

 

على الرغم من أن الانطباع الأول يفيد بأن الحكومات الإسلامية تحاول دائما استمالة التيارات الإسلامية الأخرى والاستفادة من الأدنى المشترك بينها، وتحويلها إلى خزان انتخابي أو ظهير سياسي، إلا أن واقع الحال في تركيا وفي غيرها أيضا، يقول بأن حزب العدالة والتنمية الحاكم، يحاول ضبط التيارات الإسلامية وتدجينها وفق الأيديولوجيا الرسمية للحزب الحكام، فوفق نظرة الحزب التركي الحاكم ليس كافيا للحزب أن يكون صاحب توجّه إسلامي بل يجب أيضا أن يتبنّى وينضبط لتصور الحكومة للنشاط الإسلامي.

وبصرف النظر عن عدد قليل من الكتب التي تدعو إلى مراجعة التاريخ، لم يرد أي ذكر لمحيي الدين في السرد الرسمي للتاريخ التركي.

لكن لماذا لم يكن النظام الكمالي العلماني، الذي كان فخوراً دائماً بحماسه لتحرير المرأة، يكره محيي الدين؟

إنها قضية مهمة لفهم سبب عدم رضا الحكومة الإسلامية المعاصرة عن نشاط الجماعات الإسلامية الأخرى.

لم تكن محيي الدين مدافعة عن الشريعة، ولم تطوّر رؤيتها الحداثية عن المرأة من خلال الأفكار الاشتراكية. جاء رفض النظام العلماني لها لسبب واحد: أراد النظام العلماني الجديد في أنقرة أن يحتكر فعليا مهمة تحديث المجتمع.

وعلى الرغم من وجهات نظرها الحداثية والعلمانية، فقد كانت مطالبة محيي الدين بنشاط مستقل تمثل تهديداً للحكومة.

هذا هو النمط الأساسي لتقاليد الدولة التركية: لا يكفي مشاركة أفكار الدولة، بل يجب أيضاً إتباع إرشادات وأجندة الدولة.

تعارض تقاليد الدولة التركية فكرة النشاط السياسي المستقل حتى لو تم الترويج للأيديولوجيات التي توافق عليها.

والانعكاس الحالي لهذا النمط كما يلي: لا يكفي أن يكون لديك أجندة إسلامية، عليك أن تتبنى أيضاً إستراتيجية الدولة للنشاط الإسلامي.

وبهذه الطريقة، لا ينبغي النظر إلى نهج الحكومة التركية الناقد تجاه الجماعات الإسلامية المختلفة على أنه محاولة لتشجيع نوع من العلمانية. وتوقع أن يستخدم الإسلاميون البيروقراطية والسلطة القضائية لتوطيد العلمانية، هو توقع ساذج.

بدلاً من ذلك، كما هو الحال في قضية محيي الدين، يجب اعتبار انتقادات الإسلاميين للجماعات الإسلامية الأخرى على أنها محاولات لضبطهم وتجانسهم. لا تقبل الحكومة الإسلامية الجماعات الإسلامية الأخرى التي تسعى وراء أجندتها الخاصة.

في الماضي، نجت جماعات إسلامية عديدة في تركيا رغم وجود خلافات ونزاعات كبيرة بينها، لكنها عملت جيداً بشكل فردي في تآكل النظام الكمالي.

لكن بعد أن اكتسب الإسلاميون السلطة، يعتقدون اليوم أنه لا توجد حاجة إلى النموذج الفوضوي السابق. وبدلا من ذلك، فإنهم يطالبون بنموذج موجّه نحو الدولة حيث من المتوقع أن تتبنّى كل جماعة إسلامية الأجندة التي وضعتها الحكومة.

ما تفعله الحكومة الإسلامية ليس إستراتيجية جديدة. إن تأديب الجماعات الإسلامية هو موضوع متكرر على الساحة السياسية التركية. استخدمت الدولة برامج مركزية مماثلة خلال فترات حكم السلطانين العثمانيين محمد الثاني ومحمود الثاني.

لا يريد حزب العدالة والتنمية مجرد القيادة السياسية، بل يريد أيضا أن يتم الاعتراف به كقيادة للنشاط الإسلامي في البلاد

ما تثبته كل هذه المحاولات هو أن الدولة التركية غير قادرة على تأديب الحركات والجماعات الإسلامية.

يعتمد حزب العدالة والتنمية الحاكم على عدد لا يحصى من الجماعات الإسلامية. على سبيل المثال، فإن العديد من الأعضاء الإسلاميين الجدد في السلطة القضائية التركية، والذين يمثلون أهمية بالغة لحزب العدالة والتنمية، يأتون من جماعة إسكندر باشا، وهي جماعة تتبع الطريقة النقشبندية الصوفية.

أو يتم اختيار العديد من الموظفين الحكوميين الموالين للحكومة الذين يهيمنون الآن على مديرية الشؤون الدينية القوية من جماعة إرينكوي، وهي جماعة صوفية أخرى. وبالمثل، تقوم الحكومة بتجنيد صحافيين من جماعات أخرى لملء وسائل الإعلام الموالية للحكومة.

ونظرا إلى مثل هذا التعايش المعقّد بين الجماعات الإسلامية وحزب العدالة والتنمية، فمن غير الواقعي أن نتوقع من الدولة أن تحاول تطهير الحركات والجماعات الإسلامية.

لكن حزب العدالة والتنمية ما يزال يريد من جميع الحركات والجماعات الإسلامية أن تقبل إستراتيجيته وتطيعها.

وبعبارة أخرى، لا يريد حزب العدالة والتنمية مجرد القيادة السياسية، بل يريد أيضا أن يتم الاعتراف به كقيادة للنشاط الإسلامي في البلاد.

وبالتالي، فإن الحركات أو الجماعات الإسلامية التي تصر على استقلالها الذاتي تواجه الآن مخاطر كثيرة، حتى لو لم تكن أيديولوجيتها مختلفة تماما عن الأيديولوجية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية.

على سبيل المثال، فقد ألقي القبض على الداعية ألب أرسلان كويتول، زعيم جماعة إسلامية صغيرة نسبيا، (وقف الفرقان الديني التركي) في يناير الماضي وتمت مصادرة أصول الجماعة.

وبالمثل، فإن الحكومة تتشكك بشكل متزايد في جماعتين إسلاميتين كبيرتين، السليمانجي والمنزل. وتنتقد الحكومة الجماعة الأولى، التي لم تقبل قيادة العدالة والتنمية. وتعتبر جماعة المنزل أيضا تهديدا لأنها تهيمن فعليّا على وزارتي الطاقة والصحة، مما يشكل تهديدا لحزب العدالة والتنمية.

ثانيا، في حين تستطيع الدولة معاقبة الجماعات الإسلامية على المدى القصير، فإن الجماعات الإسلامية قادرة دائما على البقاء على المدى الطويل. وتعتبر الحركات والجماعات الإسلامية مرموقة لدى كثيرين من الأتراك الذين يشككون في المنظمات السياسية والمدنية الأخرى.

وتعتبر جماعات إسلامية عديدة في تركيا منظمات اجتماعية مرنة تقوم بتبسيط إستراتيجياتها لمساعدتها على الاستمرار حتى في ظل الأنظمة الاستبدادية. ومن المؤكد أن محاولات الحكومة تطهير الجماعات الإسلامية مصيرها الفشل.

13