الحكومة التونسية أمام تحدي شح المياه الدائم

السلطات لم تكشف عن استراتيجية تقي البلاد من الفقر المائي.
الأربعاء 2020/07/15
تونس مهددة بانتفاضة عطش

رغم امتلاك تونس لموارد مائية تعتمد في توفيرها أساسا على خزاناتها الطبيعية من السدود والبحيرات الكبرى، فإن ذلك لم يبدد المعاناة اليومية للتونسيين من الانقطاع المتكرر للمياه. إذ تتعالي صيحات الفزع في كل المحافظات تقريبا مطالبة الحكومة بتدخل عاجل لمعالجة هذه الأزمة، حيث يقر خبراء ومختصون بأنها مشكلة هيكلية تجب معالجتها قبل أن تتحول إلى معضلة طبيعية تصعب السيطرة عليها وتطويقها مع تزايد الطلب على مياه الشرب. وهذا ما يؤكد أيضا على أهمية ضبط رؤية استراتيجية طويلة المدى تحول دون بلوغ تونس مرحلة الفقر المائي.

تونس - تتزايد الشكاوى من نقص المياه وانقطاعها في تونس في السنوات الأخيرة في ظل عجز الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011 عن إيجاد حلول تقي سكان المناطق النائية بصفة خاصة من الجفاف والعطش وندرة المياه وانعدامها في أحيان كثيرة.

وباتت أخبار انقطاع المياه مألوفة لدى التونسيين خاصة في فصل الصيف، وفيما لا يجد المواطن المستاء من أوضاعه المعيشية الصعبة وتدهور الأوضاع الاقتصادية أعقاب ظهور وباء كورونا، غير الاحتجاج للدفاع عن حقه في الماء، تتجاهل السلطات هذه الأزمة التي باتت بمثابة معاناة وعبء يومي للكثير من التونسيين.

ويلاحظ المتابعون تصاعد حركات الاحتجاج مع كل حادثة انقطاع أو ضعف في تدفق المياه في بعض المناطق. وبحسب معطيات أخيرة قدمها المرصد التونسي للمياه، بلغت الاحتجاجات ضد العطش في تونس 160 تحرّكا احتجاجيا شملت كل الجهات والمحافظات ومنها محافظات تونس الكبرى (العاصمة وضواحيها).

ففي مدينة تطاوين (جنوب) استنكر عدد من السكان انقطاع الماء الصالح للشراب على مدى ثلاثة أيام تزامنا مع ارتفاع درجة الحرارة في بداية شهر يوليو الجاري. كما شهدت مؤخرا العديد من المناطق بمدينة صفاقس حالة احتقان بسبب تواصل مشكلة الانقطاع المتكرر والاضطرابات في شبكة توزيع المياه الصالح للشراب.

وذكرت صحف محلية أن “عددا من سكان محافظة جندوبة (شمال غرب) قد نفذوا الأسبوع الماضي وقفة احتجاجية عبروا من خلالها عن غضبهم من الانقطاع المتكرر لمياه الشراب وعدم قدرة الشبكة على تأمين حاجياتهم المتزايدة وتجاهل السلطات المحلية والجهوية لنداءاتهم التي كثيرا ما أثيرت في اجتماعات محلية أو عبر عرائض ممضاة من قبل المواطنين”، إضافة إلى تواصل حوادث غلق الطرق في مدن داخلية ردا على نقص تدفق المياه.

انتفاضة عطش

الماء أهون موجود، وأعز مفقود
الماء أهون موجود، وأعز مفقود

تبرّر الحكومة ظاهرة الانقطاع المفاجئ للمياه بشح وندرة المياه إضافة إلى إقدامها على هذه الخطوة بشكل اضطراري نتيجة أعطاب وأشغال صيانة السدود مفاجئة، غير أن أزمة المياه في تونس حسب تحذيرات الخبراء أعمق وتشكل خطرا قد يهدد البلاد بسنوات من العطش.

ويقول الخبراء إن عوامل كثيرة تضغط على المياه في تونس من بينها التحول إلى الحياة الحضرية والنمو السكاني والاحتياجات الزراعية والصناعية إضافة التي تداعيات التغير المناخي. ووصف البنك الدولي عام 2014 هذه الأزمة بأنها بمثابة تحد إنمائي جديد تواجهه البلاد، أما داخليا فقد أطلق نشطاء البيئة والمجتمع المدني صيحة فزع، محذرين من انتفاضة جديدة لكنها هذه المرة “انتفاضة ضد العطش”.

وتشير إحصائيات المرصد التونسي للمياه إلى أن معضلة انقطاع المياه قد تحولت إلى واقع يتعايش معه التونسيون منذ سنوات. ويقول المرصد إن السنوات الأخيرة وخصوصا خلال فصل الصيف باتت المعاناة شبه موسمية تساوت فيها مدن الجنوب والوسط والشمال الغربي للبلاد الغني بالموارد المائية والسدود والذي يوفر 74 في المئة من الإيرادات السنوية من المياه السطحية المقدرة بـ2.7 مليار متر مكعب.

وحسب المرصد، فقد ارتفعت معدلات انقطاع المياه من 122 حالة سنة 2016 إلى 288 حالة في صيف سنة 2018.

وسبق أن ذكرت مصادر في المرصد التونسي للمياه، أن هناك حوالي 200000 أسرة يعاني أفرادها من نقص المياه في تونس ويضيع أكثر من نصف دخلهم في محاولات الحصول على الماء النظيف.

160 تحركا احتجاجيا ضد العطش شملت كل الجهات والمحافظات الكبرى في تونس

وقبل قرابة خمس سنوات، كان بإمكان كل تونسي الحصول على ما يصل إلى 440 مترا مكعبا من المياه سنويا. واليوم، تراجع هذا الرقم إلى 389 مترا مكعبا للفرد، بسبب تغير المناخ والنمو السكاني اللذين قد يتسببان في انخفاض الكمية إلى نحو 300 متر مكعب للفرد بحلول عام 2050.

وتقول منظمة الأغذية والزراعة «فاو»، إنه ليس بالامكان تحقيق التنمية المستدامة إلا من خلال توفير 1000 متر مكعب من مياه الشرب للفرد الواحد في حين لا يتمتع التونسي، حاليا، سوى بـ389 مترا مكعبا.

وبحسب دراسة جديدة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، من المتوقع أن تواجه تونس انطلاقا من سنة 2030 وبحدة أكبر مشكلة ندرة المياه، حيث من المنتظر أن تصل الموارد المائية المتاحة سنويا لكل ساكن في تونس في أفق 2030، حوالي 360 مترا مكعبا، مقابل 420 مترا مكعبا في سنة 2006 و1036 مترا مكعبا سنة 1960.

وتواجه تونس علاوة على مشكلة شح المياه، تحديات أخرى ولاسيما ارتفاع درجات الحرارة (أكثر من 3 درجات في 2050) وتدهور التربة.

ضعف الميزانية

علاء المرزوقي: يجب اعتماد التكنولوجيات الحديثة لمراقبة خزانات المياه
علاء المرزوقي: يجب اعتماد التكنولوجيات الحديثة لمراقبة خزانات المياه

يعزو منسق المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي في حديثه لـ”العرب” أسباب أزمة المياه في تونس إلى عوامل عدة، أبرزها ضعف الموارد المالية والبشرية لشركة توزيع المياه (حكومية). ويلفت المرزوقي إلى ضعف الميزانية المخصصة لشبكات توزيع المياه مقارنة بالميزانيات المخصصة لمشاريع أخرى. ويعكس نقص الدعم المالي عدم إدراج الحكومة أزمة المياه في سلم أولوياتها وتقصير المسؤولين في التفاعل مع هذه الأزمة.

ويؤكد المرزوقي غياب دعم حكومي لشبكة توزيع المياه خاصة من قبل وزارة الفلاحة، وبرأيه فإن نقص الدعم يشكل خطرا خاصة مع اهتراء الشبكة. ويقترح المرزوقي اعتماد التكنولوجيات الحديثة لمراقبة خزانات المياه وصيانة الشبكات لتجنب ضياع المياه، ورصد خطط مستعجلة لتفادي اضطرابات الصائفة مع برامج استراتيجية

على مستوى متوسط وبعيد المدى، إضافة إلى تكوين خلايا للأزمات وتشريك المجتمع المدني لرصد الإشكاليات الحقيقية وضرورة الانتباه إلى ما تقدمه التقارير الكلاسيكية للجهات الحكومية.

تحديات صحية

عادل الهنتاتي: شبكة توزيع المياه في تونس ضعيفة ومهترئة
عادل الهنتاتي: شبكة توزيع المياه في تونس ضعيفة ومهترئة

دعا المرصد التونسي للمياه إلى إيلاء أزمة المياه اهتماما أكبر وعدم الترويج لأنها مجرد شح في الموارد المائية، لافتا إلى ضرورة تطوير التشريعات القانونية الخاصة بهذه القضية مثل مراجعة صيغة مجلة المياه التي سينظر إليها البرلمان، ويرى أن صيغتها الحالية لا تلبي طموحات الشارع.

ويحذر خبراء بيئة من تداعيات إهمال أزمة المياه في تونس على القطاع الصحي، أمام شكوك في تسبب تلوث المياه في أمراض ظهرت مؤخرا في مدينة تطاوين وهي الحمى التيفية.

ويشير خبير البيئة عادل الهنتاتي لـ”العرب” إلى أن “تلوث المياه وراء ظهور الحمى التيفية في تطاوين”، لافتا إلى أن “هناك نسبة كبيرة من المياه الباطنية العميقة هي مياه ملوثة في تونس”.

واعتبر الهنتاتي أن غياب إرادة سياسية واضحة للحد من مصادر تلوث وراء هذه الظاهرة. واستنتج أن كل الإدارات المتعاقبة منذ التسعينات لم تملك الشجاعة للقيام بإصلاحات كبرى وتطوير شبكة توزيع المياه.

ورفض تحميل مسؤولية شح وإهدار المياه إلى المواطن، لافتا إلى أنه لا يستهلك غير 120 لترا في اليوم في حين أن المعدل العام 150 لترا.

وتتزامن ظاهرة اضطراب المياه في تونس مع تحذيرات دولية من موجة جفاف تهدد البلاد. وكان تقرير دولي صادر عن معهد الموارد العالمية “وورلد ريسورسز” في 2019 قد صنف تونس من أكثر الدول المهددة بجفاف حاد بسبب ندرة المياه وارتفاع درجة الحرارة إضافة إلى استنزاف الموارد المائية.

من المتوقع أن تصل الموارد المائية المتاحة سنويا لكل ساكن في تونس في أفق 2030، إلى حوالي 360 مترا مكعبا، مقابل 420 مترا مكعبا سنة 2006 و1036 مترا مكعبا سنة 1960
من المتوقع أن تصل الموارد المائية المتاحة سنويا لكل ساكن في تونس في أفق 2030، إلى حوالي 360 مترا مكعبا، مقابل 420 مترا مكعبا سنة 2006 و1036 مترا مكعبا سنة 1960

 

12