الحكومة التونسية المقبلة: التحديات وفرص النجاح

الجمعة 2016/08/19

بدأ العد التنازلي لرئيس الحكومة التونسية المكلف يوسف الشاهد حتى يعلن عن تركيبة حكومته وقد طالت المفاوضات حولها رغم ضيق دائرة المشاورات إثر انسحاب البعض من الأطراف الممضية على اتفاق قرطاج.

وتنتهي الآجال القصوى التي يتيحها الدستور التونسي لتغيير الحكومة يوم 2 سبتمبر 2016 أي بعد ثلاثة أشهر من بدء العملية. وهو ما يعني أنه بقي للشاهد أقل من أسبوعين حتى يقدم تشكيلته الحكومية لنيل الثقة في مجلس نواب الشعب. وبقطع النظر عن مشاورات تشكيل الحكومة وعن المنهج الذي اتبعه يوسف الشاهد في ذلك، فإنّه بإمكاننا تقديم توصيف للإطار الذي ستخلق فيه هذه الحكومة بما يمكننا من قراءة فرص نجاحها من عدمها.

حكومة الشاهد لن تجد نفسها في وضع مريح بل إن المراقبين في تونس يعدّونها حكومة الأمل الأخير قبل وقوع الكارثة. وهذه الكارثة ليست وليدة اليوم بل وقع توريثها من نظام زين العابدين بن علي وتنميتها في حكومة السبسي وتغذيتها في حكومتي الترويكا والغرق فيها في حكومة المهدي جمعة سنة والتخبّط فيها في حكومة الصيد.

ولكن ما يعقّد عمل أي حكومة منذ 2012 تاريخ تشكيل أول حكومة ائتلافية في تونس بقيادة حركة النهضة هو توارث الأخطاء نفسها وبوعي كامل. ومن أخطر هذه الأخطاء المحاصصة الحزبية المبنية على الأسماء والترضيات لا على البرامج والكفاءات.

فحكومتا الترويكا الأولى والثانية أوصلهما منهج المحاصصة إلى الاستهانة بالدولة والاستهتار بالمؤسسات وبالقانون، من ذلك خلق حقائب وزارية وكتابات دولة على المقاس لا توجد فعليا ولا دور لها إلا تمتيع الوزير أو كاتب الدولة بحقيبة وامتيازات وترضية الجهة التي ينتمي إليها. وإن لم توجد وزارة أو كتابة دولة فخطة مستشار برتبة وامتيازات وزير أو كاتب دولة لدى رئيس الحكومة، ودون أن يجد حتى مكتبا يجلس فيه في القصبة. ومن هنا بدأ منسوب إهدار المال العام في الانحدار وعجز الجميع عن تعديله إلى اليوم.

خطأ المحاصصة خلق تضخما في حجم الحكومة وأصاب عملها بالشلل بالنظر إلى غياب التنسيق بين أعضائها، بل إن العلاقات بينهم اتسمت بتضارب المصالح وسوء التصرف. وهو ما انجرّ عنه إهمال الحكومة دورها في إدارة الشأن العام وإنفاذ القانون وخدمة الشعب وتحقيق أهداف الثورة. وهذا الخطأ الذي ينقده كلّ من لا يكون في الحكومة يسارع إلى ممارسته وتبريره إذا غيّر موقعه من خارجها إلى داخلها. والمثال الأبرز على ذلك حركة نداء تونس التي تمّ تكليفها بتشكيل حكومة الحبيب الصيد وحكومة يوسف الشاهد، وجدت نفسها تكرّر خطأ المحاصصة وهي تعرف أنّه سيكون عقبة أمام نجاح الحكومة المقبلة.

إلى جانب خطأ المحاصصة الذي بدأ به الشاهد حكومته، وهو خطأ هيكلي، هناك مشاكل كبرى تتخبّط فيها تونس. على رأسها الفساد الذي صار يترعرع داخل الدولة وأجهزتها كما كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فالفساد في رئاسة الحكومة والوزارات والدواوين والمؤسسات والشركات الوطنية وغيرها من مقرات السيادة.

الفساد ليس أشخاصا أساؤوا التصرف وخالفوا القانون، بل مافيات وعصابات منظمة لها أجهزتها وأعينها وحماتها. وهذا يتضح يوما بعد آخر من خلال الفضائح التي تنفجر في كل مرة في قطاع من القطاعات.

الفساد ككرة الثلج كلما تقدم كبر ومس أكثر ما يمكن من القطاعات والمجالات. فالفساد الإداري يجرّ وراءه التهرّب الضريبي، حيث يتم التلاعب بحق الشعب التونسي في تحصيل واجب الضريبة من أهلها مقابل عمولات ورشاوى. والفساد في أجهزة الأمن والديوانة يجعل الدولة عبر أجهزتها الفاسدة شريكا في التهريب الذي يحطّم الاقتصاد التونسي.

كما يصيب التهريب والتهرّب الجبائي جهود الدولة في التنمية والتشغيل بالشلل، إذ أنّ السلع المهربة التي تغزو الأسواق التونسية تعطل الإنتاج الوطني وتدفع الكثير من الشركات الصغرى والمتوسطة إلى الإغلاق وتسريح العمال مقابل فتح فروع لشركات ومصانع أجنبية تستغل التسهيلات الجبائية وتراكم أرباحها وتستنزف اليد العاملة ولا تحترم قوانين العمل ولا تنتج الثروة.

هذا هو الإطار الذي ستنشأ فيه حكومة الشاهد. فبأي أسلحة ستواجهه وهي مقلوعة الأظافر؟ إذ السلطة الفعلية عند رئيسي الحزبين صاحبي الأغلبية نداء تونس والنهضة. وهما الحزبان اللذان يمسكان بالحكم منذ 2011 إلى اليوم باعتبار أنّ السبسي تولّى الحكم سنة 2011 بعبارته الشهيرة “لا أحد يشاركني الحكم”. وهو ما يعني أنّه المسؤول الوحيد عن فترة حكمه التي لم تكن أفضل من لاحقاتها.

وخيارات الحزبين تتجلى في مجلس نواب الشعب عبر تحالف الكتلتين لتمرير أجندا معادية لمصالح الشعب التونسي تغرقه في القروض والديون وتستجيب لضغوط المافيات وتوظف الدولة وأجهزتها لغايات حزبية.

حكومة الشاهد ستكون بين قبضتي السبسي والغنوشي ولن تخرج عن حدودهما. وقصارى أهدافها ستكون مواصلة اليقظة الأمنية متمنية ألاّ تقع ضربة إرهابية ستكون كافية للعصف بها. ولعلّ يوسف الشاهد يضع في اعتباره أن النجاح الأمني لحكومة الصيد لم يشفع لها لدى الشيخين، فحين قرّرا أن دور الصيد قد انتهى وقعت إزاحته دون أن ينجحا في إقناع الشعب التونسي بقرارهما.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9