الحكومة التونسية تبدأ مرحلة جديدة من حربها ضد الفساد

تقوم السلطات التونسية بحملة اعتقالات طالت رجال أعمال يشتبه في تورطهم وممارستهم لأعمال تهريب بطريقة غير قانونية، وتأتي هذه الخطوة لتعزز إجراءات سابقة اتخذتها الحكومة منذ أشهر قليلة وأعلنت من خلالها بدأها حربا جريئة ضد الفساد ورموزه.
الثلاثاء 2017/09/26
الشارع مع الحكومة ضد الفساد

تونس - دخلت حملة بدأتها السلطات التونسية منذ فترة ضد الفساد طورها الثاني، وتتجه الحكومة إلى استهداف مجموعة جديدة من رجال أعمال متهمين في ملفات فساد، تشمل خاصة متورطين في أعمال تهريب.

وذكرت وسائل إعلام محلية الاثنين أن وحدات الأمن ألقت القبض على مهرب أصيل منطقة بنقردان التابعة لمحافظة مدنين (جنوب تونس) إثر صدور تعليمات من رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وتشتبه الأجهزة الأمنية في أن المهرب الذي تم اعتقاله متورط مع أحد أكبر رموز التهريب في تونس والذي تعلقت به قضايا في هذا الشأن بالإضافة إلى تهمة تقديم تصاريح مغلوطة.

وتحظى هذه الإيقافات بدعم كبير من الطيف السياسي والشعبي في تونس. وجدد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب الاثنين تأكيده على مساندة الهيئة للحكومة في حربها ضد الفساد.

وطالب الطبيب حكومة يوسف الشاهد بتقييم حملتها وتفعيل شراكة أكبر مع الهيئة ومختلف الفاعلين في هذا المجال، وقال إن “مسألة الإيقافات مهمة لكن الأهم ضرب المنظومة والبيئة الحاضنة للفساد”.

وأكد أن “مقاومة الفساد تتطلب جهودا كبيرة وقرارات مؤلمة خاصة على مستوى الإدارة والطبقة السياسية”.

ورأى إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد في تصريحات لـ”العرب”، أن “استهداف كبار المهربين نقطة إيجابية في هذا الملف”.

ولفت الميساوي إلى أنه “لن تنتهي معضلة التهريب بمجرد اعتقال مهربين، فالأمر يتطلب معالجة جذرية لهذه الآفة التي تنخر الاقتصاد الوطني”.

واحتلت تونس المرتبة السابعة عربيا والـ75 عالميا متقدمة بـ 71 نقطة في مؤشر الفساد للعام 2016، مقارنة بحصولها على المرتبة الـ76 بمجموع 38 نقطة في 2015 بحسب مؤشر مدركات الفساد للعام الماضي والصادر عن منظمة الشفافية الدولية مطلع العام الحالي.

وتخسر تونس سنويا نقطتين في الناتج المحلي الإجمالي بسبب الفساد، ومثلهما بسبب اللا حوكمة، وفق معطيات أعلن عنها البنك الدولي في وقت سابق.

إبراهيم الميساوي: الحرب ضد الفساد يجب أن تكون شاملة وعامة ولا تستثني أحدا

وذكر الميساوي أن “إحصائيات الجمعية التونسية لمكافحة الفساد توصلت إلى أن هناك 1500 عربة مخصصة للتهريب في تونس وتأكدت منها الجمعية واعتمدها البنك الدولي في تقديراته لحجم الفساد ومدى انعكاساته على الاقتصاد الوطني”.

ونبه الميساوي إلى أن “المنظومة الاقتصادية في تونس تعاني من ظاهرة التهرب الضريبي حيث أن هناك 40 بالمئة من الشركات التونسية لا تدفع الضرائب و60 بالمئة من الشركات المصدرة معفية منها أيضا”.

وقال “كل هذه الأرقام تعكس عجز الدولة عن مكافحة التهريب بكل أصنافه، إضافة إلى انتشار ظاهرة الاقتصاد الموازي في تونس”.

وأضاف “كل التقارير الدولية تؤكد أن تونس كانت تعاني من أخطبوط تهريب رعاه النظام السابق والدوائر المقربة منه، وبعد الثورة استشرى الفساد في البلاد”.

وتفاقم الفساد في تونس منذ اندلاع ثورة 2011 والإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، رغم تعهد الحكومات الثماني المتعاقبة بمكافحته.

وأشار الميساوي “رموز فساد وتهريب أخرى ظهرت عقب الثورة ويعود ذلك إلى استمرار المنظومة السابقة في تونس، لذلك سينتج هذا الهيكل دائما المزيد من الفاسدين”.

ووصف معارضون حملة الحكومة لمكافحة الفساد بـ”الانتقائية وذات غايات سياسية”، وقالوا إنها تعزز حظوظ الحزب الحاكم في الانتخابات المحلية والرئاسية القادمة.

وقال البعض إن الاعتقالات محاولة لامتصاص غضب الشارع التونسي بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة والتي أنتجت احتجاجات شعبية بعدة محافظات تونسية تطالب بنصيبها في التشغيل والتنمية.

ورأى هؤلاء أن مصادقة البرلمان على قانون المصالحة الإدارية، الذي يثير جدلا في هذه الفترة، يحرج حملة الفساد خاصة أن القانون يعفو على حوالي 1500 من كبار موظفي الدولة المتورطين في قضايا فساد والمحسوبين على النظام السابق.

وشنت وحدات الأمن في الأيام الماضية حملة واسعة ضد المهربين ورجال الأعمال المتورطين في الفساد. وأوقفت السلطات التونسية السبت اثنين من رجال الأعمال يشتبه بتورطهما في فساد مالي.

ونقلت وكالة الأنباء التونسية عن مصدر بالحكومة قوله إن الأمن أوقف رجلي أعمال بجهة صفاقس (وسط تونس) على صلة بقضايا تهريب وتهرب ضريبي، وإغراق السوق الموازية بسلع مقلدة.

وقال المصدر “تم إيقاف رجلي الأعمال وديع الرقيق وجوهر دمق، ومداهمة المستودعات التابعة لهما، وحجز البضاعة الموجودة فيها وغلقها”. وأضاف أن الحكومة تعمل منذ مدة على ملفيهما ولديها إثباتات تؤكد تورطهما في قضايا فساد.

وأشار إلى أن الحملة مستمرة وستشمل إيقافات أخرى في الأيام المقبلة على صلة بشبكات فساد تنشط في التهريب والتهرب الضريبي وتبييض الأموال.

وأكد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في حوار بثه التلفزيون التونسي الأسبوع الماضي أن “الحكومة ستواصل حربها على الفساد بخطى ثابتة وإن بدأت وئيدة بالنسبة للبعض”.

وقال السبسي إن “الحرب لا تكسب من الوهلة الأولى بل تقيم بخواتمها”، نافيا وجود انتقائية أو تصفية حسابات مع الخصوم السياسيين خلال تطبيق حملة مكافحة الفساد.

وبدأت الحكومة حملة إيقافات لرجال أعمال متورطين في فساد منذ مايو الماضي أدت إلى إيقاف حوالي 12 شخصا وإخضاع ثمانية من بينهم للإقامة الجبرية، مع مصادرة أملاكهم بعد ثبوت جنيهم لأرباح طائلة بطرق غير شرعية.

وتعد مكافحة الفساد من بين الأولويات الرئيسية لحكومة الوحدة الوطنية التي استلمت مهامها في أغسطس 2016.

وأعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد في جلسة برلمانية سابقة خصصت للمصادقة على تعديل وزاري أقره، أن حكومته ستكون حكومة حرب ضد الإرهاب والفساد والبطالة والتفاوت بين الجهات.

4