الحكومة التونسية تتصدى بالقانون لمعرقلي إنتاج الفوسفات

نفد صبر الحكومة التونسية بعد حوالي شهر من محاولات إيجاد حل لأزمة توقف إنتاج الفوسفات في الحوض المنجمي جنوب غرب البلاد، وهو ما دفعها لاتخاذ إجراءات قانونية لاستئناف الإنتاج.
الاثنين 2018/03/05
صبر الحكومة له حدود

تونس – قررت الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد، وقف الحوار مع المُعتصمين في مناجم الفوسفات جنوب غرب البلاد، واللجوء إلى تطبيق القانون للتصدي لموجة جديدة من الاعتصامات والاحتجاجات بدأت مفاعيلها محكومة بأجواء التصعيد السياسي الذي يُخيّم على البلاد.

وتفتح هذه الخطوة، البلاد على أكثر المقاربات خطرا في ظل مؤشرات سياسية تلامس عتبة المواجهة المفتوحة بين الحكومة والإتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد).

وقال مصدر حكومي، رفض الكشف عن هويته، إن رئيس الحكومة قرر خلال المجلس الوزاري المُضيق الذي عُقد السبت، تكليف وزير العدل باتخاذ الإجراءات الفورية المُتعلقة بالتتبع القضائي، ضد كل من يخرق القانون، ويعمد إلى تعطيل الإنتاج ونقله.

وشدد على أهمية حماية المصالح الاقتصادية الوطنية، وعلى ضرورة أن تتولّى الأجهزة المعنية، ضبط المسؤولين عن هذا الوضع، وذلك في إشارة إلى استمرار تعطل إنتاج الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي بجنوب غرب البلاد لأكثر من أسبوعين، ما تسبّب في خسائر فادحة للبلاد.

وتوقف إنتاج الفوسفات كليا في منطقة الحوض المنجمي جرّاء الإعتصامات والاحتجاجات، ما تسبّب في خسائر فادحة طالت خزينة الدولة، وبعض المؤسسات الحكومية المرتبطة بهذا الإنتاج منها المجمع الكيميائي الذي وصلت خسائره إلى أكثر من 3 ملايين دولار يوميا. بالإضافة إلى الشركة التونسية للسكك الحديدية التي تكبّدت خسائر تقدر بنحو 100 مليون دولار خلال السنوات السبع الماضية.

وفي خطوة غير بعيدة عن هذه القرارات، أعلنت وزارة الداخلية في ساعة متأخرة من مساء السبت، عن تعيين رشاد بالطيب مديرا عاما للأمن الوطني خلفا للمدير الحالي العميد متقاعد توفيق الدبابي، إلى جانب تعيين عادل شوشان مديرا عاما للأمن العمومي بالإدارة العامة للأمن الوطني.

وتُمثل هذه الإجراءات التي أقرها يوسف الشاهد، اختبارا جديدا لمدى قدرة حكومته على مواجهة التحديات الماثلة أمامها، لا سيما وان متاعبها لا تقف عند حدود منطقة الحوض المنجمي، بمحافظة قفصة، وإنما تتجاوز ذلك، لتشمل الجنوب الشرقي حيث توجد مناطق إنتاج النفط والغاز.

وهدد عدد من شباب منطقة الكامور من محافظة تطاوين بجنوب شرق البلاد، بالعودة إلى الإعتصام، وتعطيل الشركات النفطية العاملة في منطقتهم، اذا لم تُحقق الحكومة ما وعدتهم به سابقا، وهو تهديد من شأنه تعميق الأزمة والدفع بالبلاد نحو منعطفات خطيرة في ظل الأوضاع الهشة التي تمر بها.

دعوات إلى تغليب صوت الحكمة الذي يفترض تلقائيا البحث عن حلول موضوعية تبعد شبح انزلاق البلاد نحو الفوضى

وقال طارق الحداد، الناطق باسم “تنسيقية اعتصام الكامور”، “أمهلنا الحكومة مدة لا تتجاوز الإثنين، فإما أن تطبق كافة بنود الاتفاق المبرم مع المحتجين وإما سنعود إلى الاحتجاج”.

وفي 16 يونيو الماضي وقّعت الحكومة التونسية اتفاقا مع ناشطين كانوا يعتصمون بمنطقة الكامور قرب تطاوين، نص على فض الاعتصام الذي استمر لأكثر من شهر ونصف الشهر، مقابل الاستجابة لمطالب المحتجين المتعلقة بتنمية محافظة تطاوين وتوفير فرص عمل.

والكامورمنطقة تبعد نحو 100 كلم عن محافظة تطاوين، ويقع فيها العديد من الحقول النفطية، وشهدت المنطقة، العام الماضي، احتجاجات للمطالبة بتوفير فرص عمل، تخللها صدامات مع قوات الأمن أسفرت عن مقتل أحد المحتجين.

ومن شأن هذا التهديد تعميق متاعب حكومة الشاهد، وتوسيع دائرتها، لا سيما وأن هذه التطورات الاجتماعية الميدانية تؤشر إلى أن الوضع العام في البلاد بدأ يقترب كثيرا من المربع المحظور.

وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد التوتر بين الحكومة واتحاد الشغل على ضوء التجاذبات التي أثارتها تصريحات رئيس الحكومة.

وتشي تلك التصريحات بتشنّج العلاقة بين الجانبين، حيث وجد فيها الاتحاد العام التونسي للشغل فرصة لرفع السقف بصورة غير مسبوقة من التحدي عكسته تصريحات أمينه العام نورالدين الطبوبي الذي لم يتردد في وصف حصيلة حكومة الشاهد بـ”السلبية”.

وقال الطبوبي مخاطبا الشاهد في كلمة إفتتح بها السبت، المؤتمر العادي الـ25 للاتحاد الجهوي للشغل بتونس العاصمة،”سيدي رئيس الحكومة، نحن لا ننازعك صلاحياتك.. كما تعرف حقوقك، لك أيضا واجباتك..”.

وأضاف “ومن واجباتك أن تُؤتمن على تونس بصفتك ترأس السطة التنفيذية.. والسياسي الناجح والمحنّك مُطالب بأرقام إيجابية.. وعندما نتمعن في النتائج نجدها في الواقع سلبية”.

وكان الشاهد قال في تصريحات ردا على دعوات اتحاد الشغل إجراء تعديل وزاري” رئيس الحكومة هو من يقرر إجراء تعديل على الحكومة، وهذا الأمر ليس ورادا اليوم”.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد النقابي يعني أن حكومة الشاهد فقدت نهائيا السند الذي كانت تتكئ عليه في مواجهتها لإنتقادات المعارضة، وأصبحت مكشوفة تماما بعد أن فقدت حزامها السياسي والبرلماني جراء الإنسحابات الحزبية منها.

وهو ما يجعلها في موقف مُلتبس وقريب جدا من دائرة الضبابية ارتباطا باستمرارية عملها على ضوء تزايد الدعوات إلى حكومة إنقاذ وطني.

وأمام هذا الوضع، لا تُخفي الأوساط السياسية خشيتها من تداعيات هذه التطورات ببعديها الاجتماعي والسياسي على البلاد التي لم تعد تحتمل المزيد من الاضطرابات، ويصعب عليها أن تتسع لكل هذه الصراعات والمواجهات مُتعددة الأقطاب.

وتدعو في المقابل إلى تغليب صوت الحكمة الذي يفترض تلقائيا البحث عن حلول موضوعية تُبعد شبح الانزلاق نحو الفوضى التي ستكون مساحتها أبعد بكثير مما تفترضه قياسات وحسابات الأحزاب والنقابات معا.‏

4