الحكومة التونسية ترد على الفساد في زمن كورونا بتبريره

وزير الصناعة صالح بن يوسف يعتذر للشعب التونسي بخصوص ما تم إثارته عن إمكانية وجود شبهات فساد في صفقة كمامات مشبوهة، فيما تبدأ السلطات القضائية في التحقيق.
الأربعاء 2020/04/22
في تقاطع نيران المصالح

اختزلت قضية صفقة الكمامات المشبوهة بين وزير الصناعة وأحد نواب البرلمان، أحد رجال الأعمال في مجلس النواب، مدى تغلغل الفساد في مفاصل الدولة وتعكس تغافل السلطات عن حدود تضارب المصالح بين المسؤولين الذين يستغلون نفوذهم في وقت تحاول فيه البلاد الخروج من أزمة وباء كورونا التي تحولت إلى صراع بين الطبقة السياسية.

تونس –  لم يهدأ الجدل في تونس حول طلبية لإنتاج كمامات واقية يعمل عليها مصنع على ملك نائب في البرلمان منذ أن نشرت وسائل إعلام تونسية الخبر قبل أيام، خاصة أن الحكومة لم تتخذ أي إجراء قانوني في هذا الملف رغم شبهتي الفساد وتضارب المصالح اللتين تحومان حوله.

وفي محاولة للتغطية على هذه “الفضيحة”، قدم وزير الصناعة صالح بن يوسف اعتذاره أمام جلسة استماع له بالبرلمان الثلاثاء، حيث قال “أعتذر إذا كنت ارتكبت خطأ.. رغم أني لم أخطئ”.

وهذه الطلبية المشبوهة والمثيرة للجدل ليست سوى عنوان كبير لملف أوسع حول الفساد في تونس في زمن كورونا.

وكشفت مصادر رسمية تونسية عن وجود ممارسات لمسؤولين محليين خرقوا القانون باستيلائهم على مساعدات مالية أو مواد غذائية وأساسية كانت موجهة للمحتاجين، فيما عمد آخرون لتوزيع كميات مادة السميد الذي يشهد نقصا في الأسواق على مناطق معينة مقابل حرمان مناطق أخرى من الحصول على هذه المادة.

صالح بن يوسف: أعتذر إذا كنت ارتكبت خطأ حول الكمامات رغم أني لم أخطئ
صالح بن يوسف: أعتذر إذا كنت ارتكبت خطأ حول الكمامات رغم أني لم أخطئ

وأما البعض من المسؤولين المحليين في قطاع الصحة فقد استولوا على أجهزة ومواد طبية كانت في الأصل تبرعات للمستشفيات التي يديرونها.

وورد إعلان أن تونس تعيش حاليا “حالة حرب” ضد انتشار فايروس كورونا في البلاد على ألسنة العديد من المسؤولين الكبار في البلاد وعلى رأسهم رئيس البلاد قيس سعيد ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، ورددها بعدهم العديد غيرهم من المسؤولين والسياسيين والخبراء والشخصيات العامة وحتى المواطنين العاديين.

لكن ردة فعل الحكومة والتي فوض لها مجلس نواب الشعب صلاحية إصدار التشريعات في هذا الظرف الاستثنائي، بدت مثيرة للتساؤلات على ما حملته من استهتار واستهانة باتصال مباشر بين وزير الصناعة محمد الصالح بن يوسف وعضو مجلس نواب الشعب جلال الزياتي.

ويملك الزياتي مصنعا للنسيج، وكان يهدف الاتصال المباشر مع وزير الصناعة إلى الاتفاق من أجل إنتاج 2 مليون كمامة واقية دون المرور عبر الإجراءات القانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات. ولم تفتح الحكومة تحقيقا في هذا الملف رغم ما يعتريه من شبهات فساد وتضارب مصالح.

ويبدو واضحا أن الحكومة التونسية في هذا الظرف الحرج الذي تمر به البلاد في ظل انتشار جائحة كورونا مضطرة لتفهم بعض الممارسات التي تدخل تحت مظلة الفساد والقبول بها كأمر واقع.

وهذا الأمر يفسره تصريح وزير الصناعة في إحدى وسائل الإعلام المحلية، الذي قال فيه “عندما يتعلق الأمر بصحة التونسيين نضع القانون على جنب”.

ويتعزز ذلك الموقف بقول رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في آخر حوار تلفزيوني معه إن “الأمر مجرد اجتهاد”، مؤكدا أن تصرف الوزير قانوني لأنه جاء بناء على أوامره بإيجاد الحلول العاجلة للتعامل مع الأزمة حيث انتقد الفخفاخ البيروقراطية التي عادة ما تتسب في تعطيل سير الملفات ويقر على اتخاذ الإجراءات التي تعجل بحل الملفات.

وفي المقابل، تسعى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد للعب دور مؤثر في ما يتعلق بمحاربة هذه الممارسات.

وكشف مسؤول الإعلام في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وائل الونيفي، في تصريح خاص لـ”العرب” عن بدء التحقيقات الأمنية والقضائية في شبهة الفساد في طلبية الكمامات.

وأكد الونيفي أن هيئة مكافحة الفساد لم تكتف بإصدار البيانات في ما يتعلق بتجاوز القانون، بل تقوم بدورها إذ أحالت ملف صفقة الكمامات بين وزير الصناعة وعضو مجلس نواب الشعب إلى القضاء في الـ18 من أبريل بكل ما يحتويه من قرائن وشهادات تحصلت عليها في جلسات الاستماع التي عقدتها منذ تعهدها بالملف في 11 أبريل.

وأصدرت هيئة مكافحة الفساد الاثنين الماضي بيانا أعلنت فيه عن “مخالفات متعلّقة بشبهات الانحراف بالسلطة واستغلال النفوذ” من بين ممارسات أخرى كانت قد رصدتها.

وأكدت الهيئة تلقيها إشعارات بالتبليغ عن شبهات استيلاء مستشارين بلديين على تبرعات وتوزيع مسؤولين محليين للمساعدات بالمحاباة أو التلاعب بالمساعدات والتبرعات وشبهات استغلال النفوذ بهدف احتكار البضائع. كما أفادت الهيئة استنادا إلى مصادرها بوجود شبهة تلاعب في صفقة شراء التحاليل السريعة التي أعلنت عنها الصيدلية المركزية.

وائل الونيفي: يصل الهيئة يوميا 200 إشعار بشبهات فساد واستغلال النفوذ
وائل الونيفي: يصل الهيئة يوميا 200 إشعار بشبهات فساد واستغلال النفوذ

وأكد الونيفي أن الهيئة يصلها يوميا ما يقارب 200 إشعار يتعلق بشبهات فساد وخرق الإجراءات واستغلال السلطة والنفوذ منذ بدء عملية رصد الفساد في أثناء حالة الطوارئ التي فرضها انتشار فايروس كورونا المستجد في 21 مارس الماضي.

وأشار إلى أن هيئة مكافحة الفساد تحيل الملفات حسب درجة خطورتها سواء إلى الوزارات المعنية بالممارسات التي تم رصدها أو إلى القضاء إذا كانت هناك شبهات جرائم، مؤكدا أن التنسيق يكون بصفة مباشرة مع قاعات العمليات في وزارتي التجارة والداخلية بحسب صفة المسؤول الذي تجاوز القانون.

وقال إن “هيئة مكافحة الفساد ركزت خلية لمجابهة أزمة كورونا تنظر في الملفات الخطيرة من بينها صفقة الكمامات بين وزير الصناعة ونائب البرلمان أو نقائص في كراس الشروط التي تتعلق بنتاج 30 مليون كمامة واقية خلال الفترة القادمة”.

وفي خضم هذا، اعتبر رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام في البرلمان بدرالدين القمودي، الثلاثاء، أن الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد لا يبرر ما قام به وزير الصناعة.

وأعلن في تصريح لإحدى الإذاعات المحلية الخاصة أن الزياتي أرسل للجنة اعتذارا كتابيا الاثنين الماضي عن عدم إعلام أعضائها دخوله في مشاورات لصناعة مليوني كمامة، مشيرا إلى أن النائب عن تحيا تونس لم يكن على علم بأن ذلك يعدّ تجاوزا للقانون.

وكان الحزب الحر الدستوري، الذي تقوده عبير موسي، ويعتبر أحد أبرز أحزاب المعارضة، قد شن هجوما على حكومة الفخفاخ بسبب “صفقة الكمامات المشبوهة”.

واعتبر الحزب في بيان نشره الثلاثاء تصريحات رئيس الحكومة بخصوص الصفقة “تشريعا لخرق القانون وإطلاقا ليد المسؤولين والمواطنين لتجاوز التشريعات وتجاهلا لمنظومة مكافحة الفساد ومحاولة مبطنة للتأثير على القضاء الذي تعهد بالملف”.

ولفت الحزب إلى أن التفويض الذي بيد الفخفاخ يهدف إلى تجاوز كل العراقيل التي تعترض الإدارة لاتخاذ القرارات الضرورية لمواجهة الوباء لا لإصدار مرسوم يمكّن من تعليق الفصول القانونية التي تمثل عائقا أمام الإسراع في إبرام صفقة الكمامات والانطلاق في تبييض الفساد.

4