الحكومة التونسية تستعيد الرضا الشعبي بحملتها على الفساد

تعاني تونس من ظاهرة فساد استشرى في القطاع العام والخاص قبل الثورة التي أطاحت بنظام الرئيسي التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، حيث لم تنه تحولات اجتماعية وسياسية تعيشها البلاد منذ العام 2011 ممارسات غير قانونية تضر بالمال العام وباقتصاد البلاد.
السبت 2017/05/27
استعادة الأمل في واقع أفضل

تونس - أثارت حملة بدأتها الحكومة التونسية على رجال أعمال يشتبه في تورطهم في قضايا فساد نقاشا حول مصير مشروع قانون مصالحة اقتصادية مع أشخاص ينتمون إلى نظام الرئيسي التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

وكانت حملة إيقافات لأشخاص يشتبه بتورّطهم في قضايا فساد شنّت في وقت تشهد فيه البلاد جدلا حادا حول مشروع قانون المصالحة مع موظفين كبار ورجال أعمال ينتمون إلى نظام بن علي تقدمت به الرئاسة التونسية في العام 2015.

وقال عبيد البريكي، وزير الوظيفة العمومية والحوكمة السابق لـ”العرب”، إن “المرحلة التي تعيشها تونس الآن تستوجب إرجاء النظر في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية دون إلغائه تماما”.

وأضاف “حملة الحكومة ضد الفساد زادت من أهمية القانون” لكنه يرى أن القضية المطروحة الآن هو كيف يمكن مقاومة الفساد وسلبياته مستقبلا، وقال “إذا تمكنا من تحقيق هذه المعادلة سنستطيع بعد ذلك سن المشروع”.

وأوضح البريكي أن “حملة الحكومة ضد الفساد تعزز فرص تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية إذا واصلت الحكومة جهودها في تفكيك منظومة الفساد”، متابعا “مشوار القضاء على الفساد مازال أمده طويلا”.

وأكد البريكي ارتياحه لبداية الحرب على الفساد. ورأى أن هذه الحرب منحت معنى فعليا للثورة التونسية، كما طبقت من خلالها الحكومة أحد أهم بنود اتفاقية وثيقة قرطاج التي على أساسها تشكلت حكومة الوحدة الوطنية وحددت أولويات عملها.

وقال “تأكدت خلال مهامي السابقة في الحكومة من أنه إذا أردنا اعتماد ميزانية الدولة وتعزيز مواردها من أجل تأسيس منوال تنمية جديد، فإن مقاومة الفساد طريق مهم جدا لتجميع أموال الدولة وتعزيز موارد الميزانية”.

وأعلنت لجنة المصادرة في تونس الجمعة عن مصادرة أملاك وأموال رجال أعمال تونسيين من بينهم أشخاص تم إيقافهم في الأيام القليلة الماضية ضمن حملة تنفذها الحكومة التونسية ضد أشخاص يشتبه في تورطهم في قضايا فساد وتهريب وفقا لقانون المصادرة.

مظاهرة بالعاصمة التونسية مساندة لقرارات الشاهد ضد الفساد ترفع شعار {معا لمقاومة الفساد.. كلنا يوسف الشاهد»

وقال منير الفرشيشي، رئيس اللجنة خلال ندوة صحافية عقدها بالعاصمة التونسية، إنه تم اتخاذ قرار المصادرة استنادا إلى تقارير رسمية صادرة عن جهات تحقيق أثبتت علاقات رجال أعمال أوقفوا في وقت سابق من الأسبوع الجاري بعائلة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي “حققوا من خلالها (العلاقات مع عائلة بن علي) أرباحا طائلة غير مشروعة”.

وتم إحداث لجنة المصادرة بموجب قانون رئاسي خاص صدر في العام 2011 ويتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية لأشخاص تورطوا مع نظام بن علي في أعمال غير قانونية.

وبدأت الحكومة التونسية الثلاثاء حملات توقيف لعدد من رجال أعمال يشتبه بتورطهم في قضايا فساد وتهريب وتهديد أمن الدولة العام. وهذا هو التحرك الحكومي الأكثر جرأة منذ استلام الحكومة لمهامها في أغسطس الماضي. وشهدت تونس تحركات شعبية ومظاهرات كثيرة ضد فساد استشرى في مجالات مختلفة بالقطاعين العام والخاص.

وأحرزت تونس تقدما على مستوى مؤشر الفساد حسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية الصادر في يناير الماضي، إذ احتلت المرتبة السابعة عربيا والـ75 عالميا للعام 2016 بعد أن كانت في المرتبة 76 في 2015.

وقال فريد العليبي، المحلل السياسي التونسي لـ”العرب”، إن “قانون المصالحة بعد الحملة على الفساد بات في مهب الريح، فقد ضعفت الحجج التي كان يسوّقها مناصروه”. وأكد أن التساؤل المطروح الآن هو “كيف نضع الفاسدين الحاليين قيد الإقامة الجبرية بينما ندعو إلى المصالحة مع فاسدين سابقين؟”.

ويعفو مشروع القانون، حال إقراره، عن نحو 400 رجل أعمال و1500 من كبار موظفي الدولة من المتورطين في قضايا فساد ومحسوبين على النظام السابق الذي أطاحت به ثورة شعبية عام 2011.

ويعتقد العليبي أن “الحكومة ستتخذ المزيد من الإجراءات لكسب ثقة الشعب، فإذا ما خفّت الاحتجاجات وحصل التفاف حولها سيمرر القانون مع تعديلات طفيفة، وإذا حدث العكس فإن القانون سيوضع في غرفة الانتظار مرة أخرى”.

عبيد البريكي: حملة الحكومة ضد الفساد زادت من أهمية قانون المصالحة الاقتصادية

ويرى العليبي أن “تمرير القانون إذا حصل سيعقد أكثر فأكثر عمل الحكومة التي يمكن أن تخسر الرضا الذي حصلت عليه شعبيا بملاحقتها لبارونات الفساد”.

ويثير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال أعمال وموظفين كبار من نظام بن علي، تقدمت به رئاسة الجمهورية، جدلا كبيرا في تونس. ويؤكد أنصار المبادرة أن الهدف منها هو إنقاذ اقتصاد تونس من أزمة اقتصادية حادة، لكن معارضين يرون فيها “تبييضا للفساد”.

وتعكس حرب أعلنتها الحكومة التونسية صراحة ضد الفساد رغبة وطنية في التصدي لمحاولات عرقلة تحول ديمقراطي وليد تعيشه البلاد منذ ثورة يناير 2011.

ووجهت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد، من خلال حملة إيقافات ضد رموز الفساد، رسالة طمأنة إلى التونسيين خاصة في ظل أوضاع متردية نتيجة أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية خانقة.

وحظيت حملة الحكومة بدعم شعبي وسياسي منقطع النظير. وأكدت مؤسسات رسمية تونسية من بينها رئاسة الجمهورية والجيش والأمن وأحزاب ومنظمات تونسية بارزة دعمها لجهود حكومة يوسف الشاهد في محاربة الفساد. كما تظاهر تونسيون أمام مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة، الجمعة، لمساندة قرارات الشاهد الأخيرة ضد الفساد رافعين شعار “معا لمقاومة الفساد.. كلنا يوسف الشاهد”.

وقال الطيب المدني، رئيس لجنة التشريع العام بالبرلمان التونسي لـ“العرب”، إنه “إذا رأت رئاسة الجمهورية باعتبارها صاحبة المبادرة أن القانون لم يعد مناسبا وكذلك إذا اهتدى النواب إلى نفس النتيجة في اجتماع الأربعاء القادم، ستقوم طبقا لذلك بسحبه”.

وأضاف “نأمل في أن يكون القانون مقبولا بصرف النظر عن حملة الحكومة لأننا نسعى إلى إيجاد التوافق والصياغة المثلى لنص القانون، فنحن ضد الفساد لكن مع إيجاد سبل لمصالحة المتورطين مع الشعب”.

ويعتقد خبراء أن الحرب التي أعلنتها الحكومة التونسية ضد الفساد وجهت إشارة طمأنة للشعب تعزز تطبيق القانون في مرحلة دقيقة تمر بها تونس. وتمكنت حكومة الشاهد من اتخاذ خطوة جريئة للإطاحة برموز الفساد، إذ استجابت لأحد أهم مطالب ثورة يناير وهو القضاء على الظاهرة التي تنخر اقتصاد البلاد.

واستطاع الشاهد من خلال قراراته الحاسمة تجميع قطاع واسع من التونسيين حوله. وساهمت القرارات الحكومية المتخذة في تعزيز الرضا الشعبي عن الشاهد وتعزيز الثقة فيه.

كما أعطت حملة الحكومة ضد الفساد دفعا إيجابيا لمسار تونس الديمقراطي، مما يكشف عن قدرة البلاد على تجاوز صعوبات المرحلة الانتقالية.

4