الحكومة التونسية تستعين بدار الإفتاء لخفض حدة الاحتقان الشعبي

تشير التوقعات إلى أن حكومة الشاهد ستواجه خلال الأشهر القليلة القادمة موجة من الاحتجاجات الاجتماعية كرد فعل على حزمة من الإجراءات التقشفية التي يعتزم يوسف الشاهد تطبيقها. ويبدو أن الشاهد قد التجأ إلى دار الإفتاء علها تساعده على امتصاص الاحتقان الشعبي المتصاعد، خاصة بعد أن رفض اتحاد الشغل الوقوف ضدّ التحركات الاجتماعية.
الأربعاء 2016/09/28
الاحتجاجات تؤرق الشاهد

تونس - في سياق محاولات الحكومة التونسية الحالية التخفيض من منسوب الاحتجاجات الشعبية، وأمام عجزها عن الاستجابة للمطالب المتتالية في تحسين المعيشة والتشغيل وزيادة الرواتب وغيرها، فقد استعملت حكومة يوسف الشاهد حديثة العهد، ورقة مفتي الديار التونسية عثمان بطيخ الذي صرح الاثنين قائلا إن “الاحتجاجات والاضرابات حرام شرعا”، الأمر الذي خلق جدلا واسعا داخل الأوساط النقابية والسياسية والحكومية حيث أثار استياء في إقحام رجل دين له وظائف أخرى في المجال النقابي والسياسي.

وعبر الأمين العام المساعد بالاتحاد العام التونسي للشغل بوعلي المباركي عن استيائه من تدخل عثمان بطيخ المفتي التونسي في الشأن النقابي، مؤكدا ضرورة عدم الزج بمؤسسة الإفتاء في المشكلات الاجتماعية والتجاذبات لحفظ مصداقيتها، مشيرا إلى أن “حشر مؤسسة الإفتاء نفسها في مسألة الاحتجاجات والاعتصامات ولّى زمانه ولن نعود إليه”.

واعتبر القيادي في الجبهة الشعبية (تحالف يساري معارض) عمار عمروسيّة، أنّ ما صدر عن دار الإفتاء بترك الاحتجاجات الاجتماعية، هو بمثابة السقوط المريع لمفتي الجمهورية الذي تحول إلى سياسي يبرر الخيارات الحكومية القائمة.

وأضاف عمروسية في تصريحات صحافية الثلاثاء أن هذه الفتوى بالانصراف عن الحراك الاجتماعي، هي أمر غير مسبوق من دار الإفتاء وتصبّ في خانة الفاسدين، وهي استباق معنوي للحيلولة دون أيّ نهوض اجتماعي وشعبي قادم.

ويرى خبراء أن حكومة الشاهد لن تتمكن من إيجاد حلول سريعة لمطالب المحتجين حيث يرجح الكثيرون تصاعد موجة الاحتجاجات على مدى الفترة القادمة خاصة مع بدء حكومة الشاهد في تطبيق سياسة التقشف التي كان قد تحدث عنها خلال أول خطاب له أمام البرلمان، الأمر الذي من شأنه أ يعمق الأزمة الاجتماعية داخل البلاد.

بوعلي المباركي: يجب عدم الزج بدار الإفتاء في المشكلات الاجتماعية لحفظ مصداقيتها

ويتوقع مراقبون أن تجابه سياسة التقشف التي ينوي الشاهد اعتمادها رفضا شعبيا حادا، خاصة وأن الشعب المرهق من ارتفاع الأسعار بات يشعر بأنه يتحمل مسؤولية فشل السياسيين الذين تولوا إدارة شؤون البلاد منذ أحداث الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، في حين يرتع من ساهم في وصول البلاد إلى هذه الحال في ظل عدم وجود سياسات ردعية وإصلاحية لدفع المارقين عن القانون من دفع الجباية وإرجاع قروض ضخمة كانوا قد أخذوها من الدولة.

وتؤكد تصريحات الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (المنظمة النقابية الأولى في تونس) حسين العباسي، أن البلاد إذا بقيت على هذه الوتيرة من التراجع في نسب النمو الاقتصادي وخلو الفرص من إنعاش مطلوب بإلحاح في هذه الفترة فإن الأمر يمكن أن ينتهي بانتفاضة أخرى تعبر عن التباعد الكبير بين الخطاب السياسي الحكومي والحزبي وبين الواقع المعيشي الصعب والذي تعدّ الإضرابات والاحتجاجات اليومية أبرز مظاهره.

وقال العباسي في تصريحات إعلامية إن “هناك مؤشرات في الوقت الراهن لاندلاع أزمة سياسية بتونس” داعيا الطبقة السياسية إلى التعالي عن المصالح الفئوية الضيقة. ويتضمن هذا التصريح تنبيها للأحزاب والشخصيات السياسية في البلاد لأن يكون خطابها متطابقا مع ما يمكن تحقيقه من إنجازات. ويستنتج مراقبون أن الدعوات الموجهة للسياسيين بأن يكون خطابهم واقعيا ومطابقا لحياة الناس اليومية تؤشر على خلل كبير في العقل السياسي التونسي الذي لم ينتج تاريخيا سوى مستويات متدنية من الإنجازات، بالرغم من نجاح المؤسس الحبيب بورقيبة في وضع أولى أسس الدولة القائمة على الإدارة والقانون وتحرير المرأة ومجانية التعليم والصحة.

يقول قيس السعيد إن “المبادئ التي قامت عليها ثورة 14 يناير في تونس كانت بالأساس اجتماعية واقتصادية ثم سياسية” الأمر الذي يتناقض مع الخطاب المروّج حاليا في أن تلك الثورة قد مكنت الأحزاب من حرية التنظم، إذ يتساءل السعيد “ما الجدوى من هذه التعددية إذا كانت الشعارات المتعلقة بالثورة لا تزال ترفع؟”.

وتؤكد المؤشرات في الأيام الماضية أن الحكومة التونسية لا تزال في حاجة إلى اقتراض حوالي 6 مليار دولار لمجابهة مصاريف سنة 2017 مما سيكون سببا في تفاقم المديونية وبالتالي الترفيع في الضرائب على المستوى الداخلي، حيث يؤكد تقرير منظمة “أنا يقظ” وهي منظمة تونسية غير حكومية أن نسبة الضرائب لبعض الشرائح الاجتماعية سوف ترتفع إلى 38 بالمئة بعد أن كانت 35 بالمئة على الدخل السنوي، كما تم الترفيع في الحد الأدنى الضريبي على النظام التقديري.

الخطاب السياسي في تونس بهذه الكيفية لا يمكن له أن يفسر الواقع الذي يعيشه التونسيون أو أن يتمثله، فالغالب أن الصراعات السياسية حول البرامج والتحركات الميدانية حول القضايا الوطنية لا تتمّ إلا عند المناسبات الانتخابية والتي جرت في ثلاث مناسبات إلى حدّ الآن؛ الأولى للمجلس التأسيسي ثم الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية.

4