الحكومة التونسية تقوض دورالمصارف في إنعاش الاقتصاد

استمرار ضعف مستوى الودائع يجعل البنوك مهددة بشكل أكبر بمعضلة شحّ السيولة وضعف قدرتها على تمويل الاستثمار والاستهلاك.
الخميس 2020/02/27
القيود المالية تضيّق الخناق على التجارة والاستهلاك

تصاعدت تحذيرات الأوساط الاقتصادية والمالية من تفاقم شح السيولة لدى البنوك التونسية، والتي يعزوها الخبراء إلى عمليات “شفط” السيولة النقدية من قبل الدولة لتغطية التزاماتها المتزايدة، الأمر الذي يهدد قدرة القطاع المصرفي على إقراض الشركات والأفراد وتمويل المشاريع الجديدة خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.

تونس - عزز نهم الحكومة التونسية المتواصل للاقتراض من القطاع المصرفي لتغطية العجز المالي المزمن، المخاوف من عجز البنوك عن توفير السيولة النقدية لتمويل النشاط الاقتصادي في ظل النمو الضعيف للبلاد.

وتزايدت التحذيرات بالتزامن مع مناقشة البرلمان الأربعاء منح الثقة للحكومة الجديدة بقيادة إلياس الفخاخ، التي تواجه تحديات لا حصر لها لإنعاش الاقتصاد المنهك.

وتعهد الفخاخ بمواجهة غليان الأسعار والتصدي للغش والاحتكار ومكافحة الفساد والسيطرة على مستويات التضخم وإعادة هيكلة مؤسسات وشركات القطاع العام.

وتعيق مشكلة شح السّيولة النقدية، الذي يقدّر في نهاية الأسبوع الماضي بنحو 10.7 مليار دينار (3.74 مليار دولار) توفير القروض لأصحاب الشركات في قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة.

ورغم تطمينات البنك المركزي بأنه قادر على تمويل السوق بسعر فائدة 7.75 في المئة، لكن تلك النسبة تجعل من الشركات والمستهلكين غير قادرين على تحملها بعد أن تضيف المصارف إليها نحو 5 في المئة.

جمال العويديدي: نقص السيولة تفاقم بعد تشديد المركزي القيود على الودائع
جمال العويديدي: نقص السيولة تفاقم بعد تشديد المركزي القيود على الودائع

ويحاول البنك المركزي عبر تشديد السياسة النقدية، الحدّ من الارتفاع غير المسبوق للحجم الإجمالي لقيمة الديون المتعثرة.

وتظهر وثيقة منشورة على الموقع الإلكتروني للمركزي أن قيمة الديون المتعثرة بنهاية العام الماضي وصلت إلى أكثر من 4 مليارات دولار مقارنة مع 5.52 مليار دولار قبل عام.

ويرى خبير الاقتصاد السياسي والتنمية جمال العويديدي أنّ مشكلة السّيولة تفاقمت إثر قرار المركزي، وبضغط من صندوق النّقد الدولي، فرض تخفيض نسبة الإقراض من 150 في المئة على الودائع إلى 120 في المئة بهدف تشديد الضغوط على الإقراض.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية للعويديدي قوله إن “الخطوة تهدف بالأساس إلى إيجاد نوع من التوازن مع الإيداعات حسب المعايير المعتمدة عالميا وأبرزها معايير الامتثال والتقيد بالمخاطر في اتفاقية بازل”.

وأضاف أن القرار اتخذ في توقيت غير مناسب، حيث تشتدّ الحاجة حاليا، إلى توفير القروض نتيجة تدهور سعر الدينار، الذي يتطلب توفير سيولة أكثر لضمان توريد المواد الضرورية الأولية الخاصة بالإنتاج أو الاستهلاك.

وقال إن “الإجراء دفع البنوك إلى خفض قيمة القروض الممنوحة للقطاعات المنتجة مما فاقم تعطيل الدورة الاقتصادية”.

أزمة القطاع المصرفي

3.74 مليار دولار حجم نقص السيولة

7.75 في المئة سعر الفائدة الرئيسي

12.75 في المئة فائدة قروض البنوك

10 في المئة فائدة قروض البنوك للدولة

72.7 في المئة نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي 42 مؤسسة مالية في القطاع المصرفي

8.2 في المئة نسبة الودائع إلى الناتج المحلي

وأشار إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في تعديل القانون الأساسي للمركزي وخاصة الفقرة الرابعة من الفصل 25 التي اعتبرت أن “البنك المركزي غير مخول لتمكين الخزينة العامة من سيولة أو قروض دون فوائد”.

ولا ينطبق هذا على عمليات المساعدة المالية التّي يمنحها المركزي للمؤسسات المالية، التي تملك الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر مساهمات في رأس مالها.

ويمنع القانون أيضا البنك المركزي من الاكتتاب في سندات الخزينة العامة للدولة لكنه يسمح بذلك للبنوك التّجارية مقابل الحصول على الفوائد المرتفعة جدا.

وبينما يقرض المركزي البنوك بسعر فائدة عند قرابة 7.8 في المئة منذ بداية هذا العام، فإن المؤسسات المالية تقدم قروضا للدولة بأسعار فائدة تصل إلى عشرة في المئة.

وشدّد العويديدي على أنّ هذا القانون الأساسي، الذي سوّق له على أنّه تكريس لاستقلالية البنك المركزي، تبيّن أنه في الحقيقة، “هديّة قدّمت للبنوك التجارية”.

وأضاف “لقد أصبحت البنوك تجني أرباحا عالية جدا متأتية، بالأساس، من إقراض الدولة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية مع تحميل مخاطر سعر الصّرف على الدّولة ممّا أثقل الدين العام، الذي بات يناهز 72.7 في المئة” من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي عام 2017، حقّق القطاع المصرفي نسبة نموّ بين 11 و21 في المئة، في حين كانت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي في حدود 1.8 في المئة فقط، ما يدل على أن البنوك تراكم الأرباح على حساب القطاعات المنتجة.

وتميل معظم البنوك، البالغ عددها 42 مؤسسة مالية، إلى الاستثمار في تمويل الدّولة بقروض مضمونة الاسترجاع عوض الاستثمار في القطاعات المنتجة، التي تعرّضها، أحيانا، لمخاطر العجز عن السداد.

ويقول الخبير رضا الشّكندالي إنّ الدولة أصبحت تزاحم القطاعات المنتجة من خلال اقتراضها المتواصل من البنوك، التي يفترض أن تعطي الأولوية لتوجيه القروض نحو المشاريع الاستثمارية.

وأكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية أنّ إقراض البنوك للدولة ليس في صالح الاقتصاد خاصّة أن هذه التمويلات لا تذهب إلى القطاعات الاستراتيجية التي تحرك عجلة النمو.

وأشار إلى أن الأموال التي تقدمها البنوك للدولة مصدرها الأساسي هي ودائع المغتربين مما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة الدولة على توفير العملة لسداد مقرضيها أو أنّها ستضطر مرّة أخرى إلى التّداين.

رضا الشكندالي: الدولة تزاحم القطاعات على الاقتراض من البنوك
رضا الشكندالي: الدولة تزاحم القطاعات على الاقتراض من البنوك

ويعزو خبراء هذا الوضع إلى انحسار نسبة الادخار من نحو 21 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي قبل 2011، إلى 8.2 في المئة فقط حاليا.

وربط وزير التجارة السابق محسن حسن ذلك بتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع وضع المؤسسات والشركات نتيجة انهيار قيمة الدينار وارتفاع نسبة التضخم.

وقال لوكالة الأنباء التونسية إن “تراجع مستوى السّيولة لدى البنوك، يعود إلى عدّة أسباب من أهمّها السياسة النقدية المشددة التي ينتهجها المركزي، والتي قامت على الزيادة في نسبة الفائدة ثلاث مرات متتالية”.

ويتفق حسن مع الشكندالي في أن المشكلة الأبرز تتمثل في استمرار ضعف مستوى الودائع ما يجعل البنوك مهددة بشكل أكبر بمعضلة شحّ السيولة وضعف قدرتها على تمويل الاستثمار والاستهلاك أيضا.

ويقاس شح السيولة عبر حجم تدخل المركزي يوميا، والذي وصل إلى مستويات كبيرة، بلغت العام الماضي 16 مليار دولار، وكذلك بمدى قدرة البنوك على تمويل الاستثمار.

ويرى حسن أن الحل يكمن في اعتماد سياسات تشجّع على الادّخار ودعم قدرة البنوك على جذب المزيد من الودائع عبر توفير قدرات لوجستية ومنتجات بنكية علاوة على تقليص حجم الاقتصاد الموازي والنّظام المصرفي الموازي.

ويقول الخبير الاقتصادي إنه لا بدّ أن تكون هناك سياسة واضحة كاعتماد قانون للعفو عن جرائم الصرف وتمكين التونسيين والأجانب من فتح حسابات بالعملة الصعبة، فضلا عن ضبط معدل فائدة مناسبة لتشجيع الناس على إيداع أموالهم في البنوك.

11