الحكومة التونسية تكشف تفاصيل الوضع الاقتصادي الحرج

أقرّت الحكومة التونسية أمس، بشكل صريح بأنها تواجه وضعا اقتصاديا صعبا، مع استفحال الأزمة المالية وتراجع العمل والإنتاج بسبب الإضرابات العمالية والاحتجاجات للمطالبة بالتشغيل، محذّرة من أن هذه العوامل مجتمعة باتت تهدد بانهيار الاقتصاد.
السبت 2015/06/06
تراجع الإيرادات السياحية وتعطل إنتاج قطاعات حيوية يدخلان الاقتصاد التونسي في نفق مظلم

تونس - اعترف رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد أمس، بأن حكومته تواجه العديد من الصعوبات، حالت دون تمكنها من تجاوز الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة، مشيرا إلى تفاقم الاحتجاجات التي عطّلت الإنتاج في معظم القطاعات الحيوية، واستفحال ظاهرتي الفساد والتجارة الموازية.

ولم يستبعد الصيد وقوف أطراف لم يسمها وراء موجة الاحتجاجات التي اجتاحت عددا من المحافظات التونسية خاصة منها الجنوبية.

قال “تعددت الإضرابات العشوائية، وهو ما يثير التساؤل حول خلفيات هذه الانفلاتات وأجندات الذين يقفون وراءها”.

وكانت أوساط سياسية، قد ألمحت إلى أن الرئيس السابق منصف المرزوقي الذي أسس حركة شعب المواطنين، هو من يقف وراء مظاهرات “أين البترول”، لكنه نفى نفيا قاطعا أي صلة له ولحركته بتلك الاحتجاجات.

وقال الصيد في كلمة له في مجلس نواب الشعب (البرلمان) بعد مرور 100 يوم عن نيل حكومته الثقة “نشهد في هذه الفترة تحديدا، تراجعا كبيرا للعمل، وتقلصا للإنتاج وتدنيا للإنتاجية”.

وأشار إلى أنه كان يفترض من الجميع مضاعفة الجهود على كافة المستويات وفي مختلف القطاعات للخروج من الأزمة، لكن الأمور تسير بعكس التوجهات وجهود الحكومة.

وأضاف “وجدنا وضعا أمنيا صعبا، وظرفا اقتصاديا واجتماعيا دقيقا، في الوقت الذي يتطلع فيه الشعب إلى وضع أفضل، كما ارتفعت المطالب الاجتماعية بشكل قياسي، إضافة إلى الاستحقاقات والتعهدات السابقة التي كان لزاما علينا الإيفاء بها“.

وأكدّ الصيد، أن حكومته نجحت في تسريع إنجاز عدد من المشاريع المعطلة وحققت نتائج جيّدة وعززت صورة نموذج الانتقال الديمقراطي لتونس في الخارج، لكن نجاح الانتقال السياسي الذي تحقق وتوّج بإجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد دستور 2014، لم يترافق مع انتقال اقتصادي مماثل حتى الآن.

وأقرّ رئيس الحكومة التونسية أيضا، بوجود اختلالات كبيرة، وباستشراء الفساد في العديد من القطاعات، بالتزامن مع استفحال ظاهرة التهريب الذي يشمل أساسا السلع المدعمة، وتغوّل الاقتصاد الموازي الذي يقتطع من اقتصاد الدولة أكثر من 500 مليون دولار سنويا.

وحذّر من غياب مقومات الحوكمة الرشيدة، ومن استمرار الوضع الراهن على حاله، مضيفا أن كل هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تفاقم الأزمة المالية التي تمر بها البلاد. وقال إن استمرار تدهور الوضع المالي لتونس لن يسمح بترفيع جديد في الأجور.

الحبيب الصيد: نشهد في هذه الفترة تراجعا كبيرا للعمل، وتقلصا في الإنتاج

وترسم مؤسسات دولية وخبراء اقتصاد تونسيون صورة قاتمة للاقتصاد التونسي، في ظلّ توقعات قوية بدخوله مرحلة الركود مع تعطل الإنتاج في أهم القطاعات الحيوية وتراجع إيرادات الدولة من السياحة، ما لم تسارع الحكومة بإجراء إصلاحات هيكلية تشمل مراجعة منظومة الدعم والإنفاق العام، وتشجيع الاستثمارات الخاصة وتهيئة بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

وتراجعت نسبة النمو في الربع الأول من العام الحالي إلى 1.7 بالمئة، لتسجل أدنى مستوى لها منذ الإطاحة بنظام بن علي في يناير 2011، على خلاف توقعات سابقة لصندوق النقد والبنك الدوليين، كانت قد قدّرت بلوغ نسبة نمو الاقتصاد التونسي في عام 2015 ما بين 2 و3 بالمئة.

ويحذر خبراء تونسيون من انحدار النمو إلى 1 بالمئة أو إلى صفر بالمئة، مشيرين إلى أن التوقعات السابقة لم تأخذ بعين الاعتبار ارتفاع وتيرة الإضرابات في قطاعات حيوية مثل الفوسفات التي كبدّت الدولة خسائر بمليارات الدولارات، وأفقدتها عددا من أهم الأسواق العالمية.

وقالوا، إنه يصعب تقييم أداء الحكومة التونسية بعد مرور 100 يوم على عملها، نتيجة للظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، إلا أن أداءها يشير إلى غياب برنامج اقتصادي واجتماعي واضح.

واعتبروا أن حكومة الحبيب الصيد التي أحيا انتخابها آمال التونسيين بانتعاش الاقتصاد ومعالجة تراكمات حكومة ترويكا الائتلاف الحاكم السابقة التي قادتها حركة النهضة الإسلامية، ارتكبت العديد من الأخطاء وانتهجت البعض من السياسات الخاطئة التي كانت تسير عليها حكومة النهضة.

وقال رضا السعيدي الوزير السابق المكلف بالملفات الاقتصادية والاجتماعية “جرت العادة على تقييم أداء الحكومات في أول 100 يوم عمل في البلدان المستقرة، لكن في تونس من الصعب تقييم عمل الحكومة، نتيجة الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد على المستوى الأمني والاقتصادي”.

وأضاف، أنّ هناك ظروفا استثنائية تمر بها تونس خاصّة بعد العملية الإرهابية في متحف باردو بالعاصمة في مارس الماضي، التي أربكت الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي، باعتبار أنّها أثرت بصفة مباشرة على القطاع السياحي وعلى الاستثمار الأجنبي.

واعتبر أن حكومة الصيد ورثت تركة ثقيلة من الحكومة السابقة التي قادها مهدي جمعة. وقال إن حكومة جمعة لم تقم بأي إصلاحات، بل واصلت تنفيذ برامج الحكومات السابقة، وساهمت في زيادة الدين الخارجي.

ورأى أن أداء الحكومة الحالية ينقصه الانسجام، بينما تواجه العديد من التحديات ومن بينها وضع الحوض المنجمي بجنوب البلاد، واستمرار أزمة قطاع النقل المزمنة.

وقال وزير المالية الأسبق حسين الديماسي “رئيس الحكومة واصل بعض السياسات الخاطئة التي انتهجتها الحكومات السابقة والمتمثلة أساسا في مواصلة زيادة الأجور في ظل وضع لا يخوّل اتباع مثل هذه السياسات” مضيفا أن كل ذلك جعلها (الحكومة الحالية) تواصل اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

10