الحكومة التونسية تلجأ إلى القضاء العسكري لوقف "غطرسة" حزب التحرير

يبدو أن حكومة يوسف الشاهد قررت وضع حد لغطرسة حزب التحرير السلفي، الذي صعد من هجومه تجاه الحكومة والدولة خلال الفترة الماضية مهددا بقطع الرؤوس والأيدي، الأمر الذي يعتبر انتهاكا لقانون الأحزاب والدستور التونسي.
الخميس 2016/09/08
خطوة في الاتجاه الصحيح

تونس - قررت حكومة الوحدة الوطنية التونسية برئاسة يوسف الشاهد اللجوء إلى القضاء العسكري لوقف ما بات يُوصف في البلاد بـ“غطرسة” حزب التحرير السلفي، وذلك في تطور غير مسبوق، يأتي فيما بدأت الملفات الحارقة تتكدس أمام هذه الحكومة التي لم يمض على نيلها ثقة البرلمان سوى 11 يوما.

وقالت مصادر من قصر الحكومة بالقصبة، الأربعاء، لـ“العرب”، إن الدوائر التابعة لحكومة الوحدة الوطنية المعنية بشؤون الأحزاب، وبنزاعات الدولة، أحالت ملف خروقات وانتهاكات حزب التحرير السلفي لقانون الأحزاب، والدستور، وما رافقها من تهديدات تمس أمن الدولة، إلى القضاء العسكري للتحقيق فيه، واتخاذ القرار المناسب بشأنه.

ولم توضح تلك المصادر التي طلبت عدم ذكر اسمها، الحيثيات والمبررات التي دفعت الحكومة إلى اللجوء إلى القضاء العسكري بدلا عن القضاء العدلي المختص في معالجة القضايا المتعلقة بقانون الأحزاب، وطلبت الحديث في هذا الأمر مع الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب، إياد الدهماني الذي حاولت “العرب” الاتصال به دون جدوى.

وبالتوازي مع ذلك، لزم حزب التحرير السلفي الصمت أمام هذا القرار الذي تناقلته وسائل الإعلام التونسية، فيما تباينت الآراء حول أبعاده، وتداعياته على المشهد السياسي العام في البلاد.

ويُعتبر حزب التحرير السلفي التونسي الذي حصل على ترخيص قانوني للعمل السياسي في العام 2012 خلال فترة حكم الترويكا (2011-2013) بقيادة حركة النهضة الإسلامية، امتدادا لحزب التحرير الذي أسسه الفقيه الراحل تقي الدين النبهاني بالقدس عام 1953.

ويدعو هذا الحزب إلى “إقامة دولة الخلافة”، ويجاهر برفضه للدستور التونسي وأحكامه، كما يُحرم الديمقراطية تحريما تاما، ويعتبرها “نظام كفر” لا يجوز الاحتكام لها.

وأثار هذا الحزب حوله خلال السنوات الثلاث الماضية غبارا وسط ضجيج متصاعد، تحول إلى ما يُشبه “الغطرسة” في تعاطيه مع الدولة التي لم تتمكن من وضع حد لاستفزازاته، ذلك أن القضاء التونسي سبق له أن أصدر في منتصف الشهر الماضي، حكما قضى بتعليق نشاطه لمدة 30 يوما، غير أن المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة ألغت بعد ذلك هذا الحكم بتعلة وجود “خلل في الإجراءات”.

عبدالناصر العويني: هذه القضية لا يمكنها الخروج من دائرة النزاع السياسي

واعتبر المحامي والناشط السياسي عبدالناصر العويني، إنه بغض النظر عن الدوافع التي جعلت حكومة يوسف الشاهد تلجأ إلى القضاء العسكري في هذه القضية المتعلقة بهذا الحزب، فإن كل المعطيات تؤكد أن المسألة سياسية بامتياز.

وقال لـ”العرب”، “إن الطابع السياسي لهذه القضية ‘لا غبار عليه’، ذلك أن هذه القضية تتحرك في مربع سياسي، ولا يمكنها الخروج من دائرة النزاع السياسي، لأن الحكومة صاحبة هذه القضية هي جهة سياسية، وحزب التحرير المعني بالأمر هو جهة سياسية أيضا”.

وتوقع أن تثير هذه القضية جدلا سياسيا وقانونيا، حول إشكالية مدى تخصص القضاء العسكري في معالجة مثل هذه القضية، لافتا إلى أنه كان يُفترض على النيابة العامة أن تتحرك تلقائيا في صورة إقدام هذا الحزب أو ذاك على انتهاك القانون، كما أنه يحق للحكومة إثارة دعوى قضائية ضد هذا الحزب أو ذاك أيضا إذا ما أخل بقانون الأحزاب.

ولا يستبعد المراقبون أن يتواصل هذا الجدل القانوني، لا سيما وأن هناك شبه إجماع على أن القضاء العسكري غير مختص في معالجة مثل هذه القضايا، ما يعني أن إحالة ملف خروقات وانتهاكات حزب التحرير سيعود مرة أخرى إلى القضاء العدلي الذي فشل خلال الأشهر الماضية في معالجته.

وتحول ملف حزب التحرير إلى قضية باتت تشغل الرأي العام والحكومة خاصة بعد أن بلغت “غطرسته” واستفزازاته لحكومة يوسف الشاهد، وللدولة ومؤسساتها، حدا لم يعد بالإمكان السكوت عنه أو تجاهله، لا سيما بعد أن وصل به الأمر إلى حد التهديد بقطع الرؤوس والأيادي في تونس.

ودفعت تلك التهديدات التي عكست استهتارا بالقانون، الرئيس الباجي قائد السبسي إلى المطالبة خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي في بلاده، عُقد في الأول من الشهر الجاري بـ”إيجاد حل لمشكلة حزب التحرير” عبر اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لوقف تطاوله على الدولة ومؤسساتها.

وأعلنت وزارة العدل التونسية بعد ذلك بيوم واحد، أن وزير العدل “أذن للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس (النائب العام)، بفتح تحقيق بخصوص تهديدات حزب التحرير، وذلك طبقا لأحكام الفصل الـ23 من قانون الإجراءات الجزائية”.

وجاءت هذه التطورات على خلفية بيان وزعه حزب التحرير في نهاية شهر أغسطس الماضي، تضمن تصعيدا في خطابه الاستفزازي للحكومة الجديدة برئاسة يوسف الشاهد التي هددها بأن “ساعة الحساب اقتربت”، وخاطبها قائلا إن “دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي لاحت بشائرها قد يكون لها طلقاء كطلقاء مكة، ولكن هناك رؤوسا وأيادي ستقطع ولو تعلقت بأستار الكعبة”، على حدّ تعبيره.

وعمّق هذا الخطاب الذي كشف عن تحول خطير لمواقف هذا الحزب في سياق خلافاته مع الدولة التي لا يعترف بها أصلا، الخشية من أن تشتت تهديدات هذا الحزب جهود حكومة الشاهد في مواجهة التحديات التي تواجه البلاد، ما يعني أن حكومة يوسف الشاهد قد تكون تستهدف من وراء هذا القرار المتعلق باللجوء إلى القضاء العسكري، توجيه رسائل واضحة مفادها أنها ستقطع مع صفة “الأيادي المرتعشة” التي لازمت حكومة الحبيب الصيد، وبقية الحكومات السابقة، وبالتالي وضع حد لتلك “الغطرسة”، عبر حسم هذا الملف بإغلاقه نهائيا.

4