الحكومة التونسية تواجه ضغوطا اجتماعية غير مسبوقة

إضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية، وصندوق النقد الدولي يعارض الزيادة في الأجور.
الخميس 2018/11/22
الطبوبي يشهر آخر أوراقه

تدخل تونس الخميس في إضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية احتجاجا على رفض السلطات الترفيع في الأجور ويأتي ذلك في أعقاب دعوة صندوق النقد الدولي الحكومة التونسية إلى السيطرة على كتلة الأجور المرتفعة وغير المتناسبة مع حجم الاقتصاد بحسب تقييمه، والمضي قدما في الإصلاحات للحد من عجز الموازنة العامة ودعم الاستثمار والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

تونس - يجد رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد نفسه أمام أزمة جديدة بطلها الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد) بعد أن نجح في تجاوز الأزمة السياسية التي كانت تهدد مصيره على رأس الحكومة.

ودعا الاتحاد إلى إضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية، الخميس، احتجاجا على رفض الحكومة الترفيع في أجور نحو 650 ألف موظف حكومي.

ويرفض الاتحاد اتهامات له باستعمال ورقة الإضراب للضغط على الحكومة التي سعى مع حزب نداء تونس إلى إقالتها، لكن مراقبين يربطون هذا التصعيد بالتطورات السياسية الأخيرة.

وتمسك اتحاد الشغل بتنفيذ إضراب عام بعد أن فشلت جلسات المفاوضات بين الطرف الحكومي والطرف النقابي في التوصل إلى اتفاق يُلغيه، رغم نجاح المفاوضات الأخيرة بالقطاع العام وموافقة الحكومة على زيادة الأجور وعدم بيع شركات حكومية.

وقال أمين عام اتحاد الشغل نورالدين الطبوبي إنّ برقية الإضراب في القطاع العمومي تم إصدارها منذ شهرين ”وأمام تلكؤ الحكومة وعدم التزامها بتعهداتها خيرنا التمسك بإضراب 22 نوفمبر”.

وأكّد خلال إشرافه على إحياء الذكرى 68 لأحداث النفيضة الأربعاء 21 نوفمبر 2018 أنّ الهيئة الإدارية الوطنية “ستجتمع السبت القادم وستتخذ أشكال نضالية تصعيدية من أجل تلبية استحقاق اجتماعي ألا وهو تعديل المقدرة الشرائية للأجراء العاملين في القطاع العمومي”.

وقال بوعلي مباركي الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل لـ”العرب”، إن “الاتحاد يدخل في إضراب عام لأننا لم نتفق في قطاع الوظيفة العمومية رغم المشاورات والجهود التي بذلناها”.

وأضاف أن “الاتحاد يعي أن الحكومة تتعرض إلى ضغوط من المانحين الدوليين لكن عليها أن تراعي الخصوصية التونسية، وعليها إيجاد أرضية للتفاهم مع الاتحاد لتجنيب البلاد إشكاليات قد تصل إلى الاحتقان الاجتماعي”.

وينتقد الاتحاد خضوع الحكومة إلى إملاءات المانحين الدوليين في حين أن الحكومة تدافع عن خياراتها وترى في قبول شروط صندوق النقد الدولي خطوات ضرورية لإنقاذ الاقتصاد المتعثر.

منذر ثابت: أي تنازل من قبل اتحاد الشغل سيدفع إلى تفككه وانقسامه الداخلي
منذر ثابت: أي تنازل من قبل اتحاد الشغل سيدفع إلى تفككه وانقسامه الداخلي

ودعا صندوق النقد الدولي تونس إلى إبقاء فاتورة أجور القطاع العام تحت السيطرة لتجنب مشاكل خطيرة متعلقة بالديون. ورأى أن الحكومة بحاجة إلى تنفيذ “سياسة مالية شديدة المحافظة” ستسمح لها بتقليص عجز ميزانيتها تدريجيا إلى مستويات مقبولة للاقتصاد، ورأي صندوق النقد مهم لتونس لأنها تتلقى مساعدة من الصندوق مشروطة بإصلاحات لاقتصادها.

ويقول المراقبون إن تونس أمام معادلة صعبة فالحكومة مضطرة للامتثال لمطالب صندوق النقد الدولي بخصوص الزيادة في الأجور لما تعانيه من تضخم ومديونية كما أن الاتحاد له الحق في الدفاع على منظوريه أمام غلاء المعيشة واهتراء القدرة الشرائية.

ويعتقد محمد بن سالم النائب عن حركة النهضة أن كلا الطرفين مطالب بالبحث عن حلول وسطى وعبر الحوار كما وقع حل بقية الأزمات التي تعرضت لها البلاد منذ 2011.

وقال بن سالم لـ”العرب”، إن “الاتحاد له الحق في الدفاع عن منظوريه خاصة إذا كانت المقدرة الشرائية فعلا متدهورة غير أن الحل ليس بالتصعيد وإيقاف الإنتاج”.

وتابع “الحل في إيجاد موارد مالية أخرى لتلبية حاجيات الأجراء ولتجنب الصدام وكل من يعطل الإنتاج”.

ويرى خبراء أن الحكومة لا تستطيع الاستجابة لمطالب الاتحاد حيث تواجه مهمة معقدة في تحقيق التوازن بين مطالب متعددة، من بينها الاستثمار لمعالجة مشاكل اجتماعية وتحسين بيئة الأعمال، في حين يعتقد الاتحاد أنه بوسعها بعد أن حققت تحسنا ولو ضئيلا في مستوى النمو أن تقبل بزيادات الأجور بالوظيفة العمومية.

وأشار منذر ثابت المحلل السياسي لـ”العرب”، إلى أن “الاتحاد احتسب نسبة النمو المعلنة من الحكومة ثم مستوى التضخم وهذه المقاييس من المفروض أن تقود إلى زيادات نوعية في الأجور كما حصل بالنسبة للقطاع العمومي”.

لكن الحكومة بالنظر إلى مستوى التداين والخضوع إلى رقابة صندوق النقد الدولي تجد نفسها عاجزة عن الاستجابة إلى مطالب الاتحاد.

وأوضح ثابت أن “ما طرحه الاتحاد في علاقة بالعدالة الجبائية والتهرب الجبائي والاقتصاد الموازي والتعويضات الممنوحة لمناضلي حركة النهضة التي تضاهي وفق التسريبات الأخيرة مستوى 1100 مليار”. وتابع “من هذه الزاوية يرى الاتحاد أنه بإمكان الحكومة البحث عن موارد مالية لتمويل الزيادات في الأجور”.

ويرى مراقبون أن الصدام بين الاتحاد والحكومة لن يهدأ أمام الضغوط المحيطة بكل طرف، بين رغبة الاتحاد في استرضاء قاعدته الواسعة من العمال وبين التزامات الحكومة مع المقرضين الدوليين.

وأكد ثابت “أن الطرف النقابي لا يمكنه التنازل خاصة بعد هجمة النقابات المستقلة والخارجة عنه وعدم معالجة أهم ملف وهو ملف التعليم. وأعتقد أن أي تنازل من الاتحاد سيدفع إلى تفككه الداخلي”.

وأضاف “أما الحكومة يمكن أن تبحث عن موارد مالية أخرى، غير أنها لا تستطيع التنازل لأن بنية الميزانية لا تسمح بذلك وارتفاع المديونية لا يتيح هذا الإمكان”.

ويتوقع المراقبون أن يقود الصدام بين الاتحاد والحكومة إلى حالة احتقان اجتماعي لانسداد الحلول كما سيطيل من عمر الأزمة السياسية بالبلاد، لمحاولات الأحزاب توظيفها سياسيا بين مؤيد ومعارض ومحاولات الشق المعارض للحكومة استغلال قانون الموازنة الجديدة الذي يحمل بدوره إجراءات قاسية لإضعاف حكومة الشاهد.

ورأى وليد جلاد النائب عن كتلة الائتلاف الوطني أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الحكومة نتيجة تراكمات ثماني سنوات بعد الثورة ومقيدة بتوازنات مالية. وقال جلاد لـ”العرب”، إنه “يجب عدم توظيف الإضراب سياسيا وجعله مطلب الشغالين”.

وتابع “على الحكومة أن تجد حلولا أخرى لتحسين القدرة الشرائية للعامل بدرجة أولى والجلوس مرة أخرى مع الاتحاد على طاولة الحوار”.

4