الحكومة التونسية لم تستوعب خطورة تقديم وعود والتملص منها

استنساخ تجربة الكامور بتوفير الشغل في قابس يطرح جدية الإيفاء بالتعهدات.
الاثنين 2021/02/22
القرارات المسكنة لن تعالج الأزمة

تحاول الحكومة التونسية المتخبّطة في الأزمات والصراعات الخروج من قبضة الأوضاع التي تحيط بها عبر تقديم مشاريع تنموية وتشغيل الفئات العاطلة وامتصاص غضب الشارع المتنامي بوعود لا تقدر على تنفيذها لتجنب مطبات جديدة قد تعترضها.

تونس – تستنسخ حكومة هشام المشيشي في تونس نفس التوجهات والاختيارات، حيث سارعت إلى تقديم وعود بالتشغيل في محافظة قابس (جنوب)، في خطوة يرى مراقبون أنها لم تستوعب من خلالها عبر الماضي القريب بتقديم الوعود والتملص منها.

واختتم مساء السبت الوفد الحكومي الذي حل بولاية (محافظة) قابس منذ 17 فبراير الجاري لتفعيل قرارات المجالس الوزارية التي انعقدت حول مسيرة التنمية بالجهة.

وتم في الجلسة الموسعة التي انتظمت بمناسبة اختتام هذه الزيارة استعراض التقرير الختامي لأعمال الورشات الخمس التي تم تنظيمها لمتابعة تنفيذ تلك القرارات.

باسل الترجمان: الحكومة تعلم جيدا أن لا مستقبل سياسيا لها ولا لرئيسها
باسل الترجمان: الحكومة تعلم جيدا أن لا مستقبل سياسيا لها ولا لرئيسها

ونقلا عن وكالة تونس أفريقيا للأنباء، تم الاتفاق في مجال التشغيل على تفعيل القرارات ذات الصلة وهو ما سيساعد على توفير حوالي 4500 موطن شغل عبر مناظرات محددة في الآجال والأرقام والجهات المعنية بها، فضلا عن إسناد 500 قرض خلال السداسي الأول من السنة الجارية، على أن يتم خلال السداسي الثاني من هذه السنة توفير التمويل اللازم لبقية القروض المعلن عنها في المجلس الوزاري المنعقد في 11 ديسمبر 2020 والبالغ عددها الجملي 3100 قرض.

كما تم الاتفاق على إحداث صندوق للتنمية والتشغيل برأس مال يبلغ 100 مليون دينار (36.94 مليون دولار) عبر خط تمويل يوجه للمجلس الجهوي وتفعيل الخط البحري لنقل الحاويات قابس – مالطا مع إمكانية إحداث خطوط أخرى عند توفر طلب في ذلك.

ويرى مراقبون أن حكومة المشيشي تحشر نفسها في زاوية ضيقة في محاولة منها للهروب من المشاكل والأزمات التي تعصف بالبلاد.

وأفاد المحلل السياسي باسل الترجمان “أن الحكومة تحاول الهروب إلى الأمام في مواجهة المشاكل، وهي تعكس حالة من انعدام التوازن والتملّص في ظل المرحلة السياسية الحالية”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” “هذه عملية هروب، وهي تعلم جيّدا أن لا مستقبل سياسيا لها ولا لرئيسها وليست لديها القدرة على تنفيذ هذه التعهدات”.

وتابع “حتى الحكومات التي سبقت تعهدت بإجراءات لا قدرة للدولة على إنجازها، والبرلمان اليوم عوض أن يمارس دوره الرقابي على الحكومة، دخل في موجة من الصراعات والخلافات”.

وفضلا عن ملفات التشغيل الحارقة، شملت القرارات المجال الصحي وتم الاتفاق بالخصوص على فضّ إشكال تمويل المستشفى الجامعي بالجهة مع الطرف البريطاني على أن يتم الشروع في إنجاز المشروع خلال السداسي الثاني من السنة الجارية.

أما في ما يتعلق بالمدينة الصناعية الجديدة والصديقة للبيئة التي ستأوي الوحدات الجديدة للمجمع الكيميائي التونسي، فإنه تم الاتفاق على حلول وفد حكومي في غضون أسبوعين لمتابعة عنصر المقبولية المجتمعية لهذا المشروع.

حلول عقيمة
حلول عقيمة

كما تم في ورشات العمل التي تم تنظيمها اتخاذ إجراءات عديدة أخرى تتعلق بتفعيل قرارات وزارية تشمل قطاعات مختلفة على غرار الفلاحة والتجهيز والعمل البلدي والسياحة والثقافة والتعليم العالي والتكوين المهني، ومنها ما يتعلق بإنجاز مركز للتكوين في النقل واللوجستيك بـ”الزركين” وإقرار إحداث مركز للتكوين والتدريب المهني بـ”المطوية” في مجال الصناعات التحويلية الغذائية يكون متعدد الاختصاصات.

وفاجأت القرارات المتخذة مختلف الأوساط السياسية في تونس، خصوصا لاقترانها بالظرفية الزمنية الصعبة التي تمر بها الحكومة المدفوعة بإكراهات المشهد السياسي وضعف موارد الدولة وعجز موازنتها المالية لتنفيذ هذه الإجراءات.

ويبدو أن حكومة المشيشي تسعى للنسج على منوال الحكومات السابقة التي خلفت “تركة” من الملفات الحارقة وفي مقدمتها توقف الإنتاج بحقول النفط والغاز ومناجم الفوسفات.

مصطفى بن أحمد: يوجد تناقض بين أزمة المالية العمومية وإجراءات التشغيل
مصطفى بن أحمد: يوجد تناقض بين أزمة المالية العمومية وإجراءات التشغيل

ومنذ تسلّمه لمقاليد رئاسة الحكومة بداية سبتمبر الماضي، سعى المشيشي وفريقه إلى شراء السلم الاجتماعي عبر التفاوض مع المحتجين في حقول النفط والغاز، مما مثّل معركة لي ذراع حقيقية بين مؤسسات الدولة والمحتجين. وهو نفس الأمر الذي تعرض له رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد في 2017.

وقال النائب عن حركة تحيا تونس بالبرلمان، مصطفى بن أحمد في تصريح لـ”العرب”، “إن الوضع الحالي يتطلب إيجاد رؤية عامة على كامل مناطق البلاد، لأن قضية التنمية والتشغيل هي خيارات عامة ثم يتم تخصيصها في كل جهة باتباع السياسة المحلية”.

وأضاف بن أحمد “نحن نطالب بالتشغيل لبعث الأمل في الشباب العاطل، لكن يوجد تناقض من حيث أزمة المالية العمومية وإقرار الحكومة لإجراءات التنمية والتشغيل، وشاهدنا اتفاقية القضاء وما شابها من إخلالات”.

واستطرد “الحكومات ترضخ تحت الضغوط لامتصاص الغضب، ولكن عليها أن تفي بوعودها”.

وكرّست سياسة الهروب إلى الأمام والتنصّل من تحمل المسؤوليات هشاشة القرار السياسي واضطرابه وانعدام الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة.

ووفق أرقام رسمية، ارتفعت نسبة التشاؤم لدى التونسيين إلى 90 في المئة، علاوة على توجسهم من المستقبل والانعكاسات السلبية للأزمة الراهنة.

 وارتفعت نسبة البطالة مجددا وسط انكماش اقتصادي مقلق وأزمة سياسية خانقة منهمكة في الصراعات، فيما أهملت مشاغل التونسيين الحقيقية المتعلقة بالتشغيل والتنمية.

وأعلن المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) عن ارتفاع نسبة البطالة في تونس لتبلغ 17.4 في المئة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020، مقابل 16.2 في المئة في الثلاثي الثالث من نفس السنة.

ويأتي ذلك في وقت يحتدم فيه الصراع السياسي بين رأسي السلطة التنفيذية. وبينما يرفض الرئيس قيس سعيّد أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد المقترحين في التعديل الوزاري ويعتبر أنه تحوم حولهم شبهات فساد، يتمسك رئيس الحكومة المشيشي بإقرار التعديل مسنودا بالحزام السياسي لحكومته (حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة).

وباتت الأزمة السياسية والدستورية تهدد بانزلاق البلاد نحو مواجهة جديدة لكن في الشارع هذه المرة، ما يضع أمن تونس على المحك.

4