الحكومة التونسية مطالبة بإصلاحات كبرى وليس بإطفاء الحرائق

مخاوف جدية في تونس من أن تحذو حكومة يوسف الشاهد حذو الحكومات السابقة وتصبح حكومة “إطفاء حرائق” اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، بدل إرساء الإصلاحات الهيكلية وفق خطة وطنية لا بناء على تسويات ظرفية.
الأربعاء 2016/09/28
طريق الإصلاح طويلة

تونس - تساور القوى السياسية والمدنية وغالبية اتجاهات الرأي العام التونسي مخاوف جدية من أن تنزلق حكومة يوسف الشاهد إلى ما انزلقت نحوه الحكومات المتعاقبة مند العام 2011 وتتحول بذلك إلى حكومة “إطفاء حرائق” اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية بدل مباشرة ثورة من الإصلاحات الهيكلية الكبرى وفق خطة وطنية لا بناء على ترضيات أو تسويات ظرفية تحت عنوان “التقشف” الذي أملته أزمة البلاد.

وعلى الرغم من تأكيد الحكومة نفسها على أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس على مختلف الأصعدة تستوجب القطع مع السياسات الترقيعية وإطلاق سياسات إصلاحية جذرية تكون كفيلة بوضع حد للانكماش الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي وفوضى المشهد الحزبي والسياسي، فإن سياسة التقشف التي جاهر بانتهاجها الشاهد في أكثر من مناسبة تثير خشية التونسيين من تجريد الحكومة من صبغتها الوطنية وأهدافها الإصلاحية.

وأقر يوسف الشاهد، في أكثر من مناسبة، بأن المؤشرات التنموية والسياسية في البلاد تملي انتهاج سياسات تقشف بما من شأنه أن يساعد فريقه الحكومي، الذي يضم ممثلين عن سبعة أحزاب ونقابيين وكفاءات وطنية، على الرفع من أداء مؤسسات الدولة في تعاطيها مع مشاغل التونسيين ومطالبهم.

وما انفكت تصريحات رئيس الحكومة تثير جدلا حول ما إذا كانت سياسة التقشف ستلقي بظلالها على طبيعة الإصلاحات الملحة والتي تستوجب إطلاق مشاريع استثمارية كبرى في ظل مخاوف من أن تجد الحكومة نفسها أمام ترضيات أطراف سياسية واقتصادية واجتماعية لتهدئة الأوضاع العامة بناء على مسكّنات لن تقود سوى إلى تعميق الأزمة في البلاد.

عادل الشاوش: الإصلاحات ستكون مؤلمة والجميع ضد سياسة الترقيع

وقال الناشط السياسي عادل الشاوش في تصريح خاص بـ”العرب”، إن “هناك مخاوف جدية وحقيقية من أن تتحول حكومة الوحدة الوطنية التي يراهن عليها التونسيون إلى مجرد حكومة إطفاء حرائق في ظل وجود إثباتات قوية على أن تعقيدات الأوضاع العامة ما انفكت تتزايد”.

وشدد الشاوش على أن “تونس تمر بوضع استثنائي وهو ما يستوجب سياسات استثنائية قادرة على مجابهة مسارات اقتصادية واجتماعية وأمنية في إطار وعي سياسي عميق بأن حل أزمة تونس يكمن في انتهاج خارطة طريق شاملة”.

ويقول الخبراء في التنمية الاجتماعية إن التعويل على مبدأ التقشف، سواء في ما يتعلق بالضغط على نفقات الدولة من خلال وضع حد للزيادة في الرواتب أو التخفيف من دعم المواد الأساسية أو غيرها، لا يمكن أن يكون حلا للمعضلات التي تواجهها البلاد بما في ذلك الخروج من مأزق رصد الديون الخارجية لتغطية عجز الموازنة على تسديد النفقات.

وطالت الإجراءات الحكومية الملف الاجتماعي، حيث تم تحديد سقف تبلغ قيمته 2500 دولار سنويا في ما يتعلق بفوائض القروض المخصصة لاقتناء أو بناء محل معد للسكن لا تتجاوز كلفته 100 ألف دولار من الدخل السنوي الخاضع للضريبة، وتوسيع مجال تطبيق المعلوم الموظف على الرحلات الجوية الدولية.

ويطالب الخبراء وكذلك المحللون السياسيون بما يقولون إنه تحرير القرار الحكومي من الارتهان لسياسة الترضيات، سواء منها ترضية الفئات الهشة الغاضبة من خلال مساعدات اجتماعية أو ترضية الاتحاد العام التونسي للشغل من خلال الاستجابة لمطالبه الاجتماعية أو حتى الترضيات الحزبية والسياسية التي تمثل عائقا أمام بناء جسم حكومي متضامن بعيدا عن الارتهان لأجندات الأحزاب وحساباتها السياسية.

وأقرت رئاسة الحكومة، الاثنين، على لسان بدرالدين البريكي، رئيس الهيئة العامة لمتابعة البرامج العمومية، بأن هناك نقصا في تشخيص سياسات الإصلاحات الكبرى ومتابعتها، مشيرا إلى أن الحكومة تسعى إلى تحقيق التقدم في هذا المجال.

وطالب عادل الشاوش الحكومة بـ”مباشرة إصلاحات كبرى على جميع الأصعدة سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني أو في مجال مراجعة سياسات الدولة في تعاطيها مع طريقة الاستجابة للمشاغل التنموية”.

وقال الشاوش لـ”العرب” إن “الإصلاحات تتعلق أساسا بتعبئة أكثر ما يمكن من الاستثمارات الخارجية وطمأنة المستثمرين والتركيز على التنمية في الجهات خاصة وأن تونس قادمة على تركيز مقومات الحكم المحلي”، مشددا على أن السياسات التنموية من مسؤولية الحكومة وعليها أن تتحمل المسؤولية.

مراقبون: نأي حكومة الوحدة الوطنية بنفسها عن سياسة إطفاء الحرائق هو قبل كل شيء مسألة إرادة سياسية وخيارات تنموية

وإضافة إلى ضغوط القوى السياسية والمدنية واتجاهات الرأي العام المحلي، تواجه تونس ضغوطا من قبل المؤسسات الإقليمية والدولية وكذلك من شركائها الاقتصاديين الذين يطالبونها بمراجعة سياساتها ووضع خارطة طريق تنموية وسياسة حكومية بناء على إصلاحات منتجة والقطع مع سياسة الترضيات التي زادت في تعقيد هشاشة الأوضاع العامة. وتواجه يوسف الشاهد، وفق خبراء في التنمية ومحللين سياسيين، تحديات أبرزها بناء جسم حكومي ذي إرادة سياسية قوية قادرة على معالجة ظاهرة التهريب ووضح حد للاقتصاد الموازي الذي يكبد البلاد خسائر سنوية تقدرها السلطات بنحو 600 مليون دولار سنويا، ومكافحة التهرّب الضريبي الذي يكلفها ما بين 3 و4 آلاف مليون دولار سنويا، إضافة إلى تهدئة الاحتقان الاجتماعي بما من شأنه أن يساعد في جلب أكثر ما يمكن من الاستثمارات الخارجية.

غير أن مراقبين يشددون على أن نأي حكومة الوحدة الوطنية بنفسها عن سياسة إطفاء الحرائق هو قبل كل شيء مسألة إرادة سياسية وخيارات تنموية، مشددين على أنه آن الأوان لإقرار مصالحة وطنية شاملة وتمكين الفاعلين الاقتصاديين من إطلاق مشاريع استثمارية منتجة. وخلال تعرضه للملف الاجتماعي شدد عادل الشاوش على أن “الحكومة مطالبة بمراجعة سياسة دعم المواد الأساسية دون المساس بالقدرة الشرائية للفئات الهشة”، ملاحظا أنه “لا بد من ترشيد التعويض الذي بات عبئا ثقيلا على المجموعة الوطنية وليس على الدولة وحدها”.

ويحذر مراقبون من أنه ما لم يتسلح يوسف الشاهد بجرأة سياسية ويطلق ثورة من الإصلاحات الهيكلية التي من شأنها أن تعيد لمؤسسات الدولة ثقة التونسيين فيها وترفع من أدائها في إطار سياسات تنموية عملية، فإن البلاد تبدو مرشحة لانتكاسة في ظل أزمة تستوجب منظومة شاملة ومتكاملة من السياسات العامة لا القرارات الارتجالية.

وقال الشاوش إن “الإصلاحات ستكون مؤلمة لكن هناك نوع من الإجماع على مباشرتها وعلى أن الجميع مستعد لتحمل التضحيات حتى تخرج الحكومة بالبلاد من سياسات الترقيع أو إطفاء حريق كلما اندلع في قطاع من القطاعات”.

4