الحكومة التونسية واتحاد الشغل: مآلات الشتاء

الجمعة 2016/12/02

يبدو أنّ الأزمة القائمة بين حكومة يوسف الشاهد وبين الاتحاد العام التونسي للشغل قد اتخذت مسارين متوازيين لا شيء ينبئ بأنّهما يمكن أن يلتقيا. كانت الأزمة قد انفجرت بسبب قرار الحكومة تأجيل صرف الزيادات في الوظيفة العمومية المضمن في قانون المالية 2017 وميزانية السنة المقبلة.

وكان تبرير الحكومة يتمثل في كون حكومة الحبيب الصيد ارتكبت خطأ بالتزامها باتفاقيتين متناقضتين واحدة مع صندوق النقد الدولي تقضي بالتخفيض في حجم كتلة الأجور، والثانية مع الاتحاد العام التونسي للشغل تفيد بالزيادة في الأجور على ثلاث سنوات. ورأت الحكومة أنه لا يمكن التراجع عن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي باعتباره الجهة الرئيسية المانحة لتونس، بينما يمكن أن تلقى التفهّم من اتحاد الشغل شريكها الأساسي. فراهنت على أنّ تأجيل صرف الزيادات سيمكّن من التقليل من الديون، ومن تخفيف الضغط على المالية العمومية، وتوجيه الاعتمادات التي كانت معدّة للزيادات في أجور الوظيفة العمومية إلى التنمية والاستثمار.

لكنّ الاتحاد يرى في ذلك تبعية مهينة لصندوق النقد الدولي، وتراجعا عن اتفاقات والتزامات سابقة صادرة في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية، وهو يقصد الاتفاق الممضى مع حكومة الصيد في سبتمبر 2015 والذي أنهى مرحلة عصيبة من المشاحنات والخلافات بين الطرف الاجتماعي والحكومة. وتباعدت وجهات النظر بين الطرفين وتمسك كل طرف بموقفه.

وأصدر مجمع الوظيفة العمومية بالاتحاد بيانا عبّر فيه عن رفضه للإجراءات المتخذة من قبل الحكومة، ودعاها إلى فتح حوار وطني حول المنوال التنموي الكفيل بإنقاذ الاقتصاد الوطني من أزماته المزمنة والطاحنة يقوم على قاعدة التوزيع العادل للخيرات والثروات التي يعتبر الشغالون طرفا أساسيا في إنتاجها.

ويكون مدخل هذا المنوال التنموي نظاما جبائيا عادلا يرتكز على ضبط نسب الضريبة وفقا لمبدأ المساواة وتقيدا بقواعد الإنصاف. كما طالب المجمع بالقطع مع النظام الضريبي الجزافي وإلغاء كل الإجراءات المستنزفة للأجراء من خلال مساهمات استثنائية مثل التي اتخذتها الحكومة والتي تعمق معاناتهم، إضافة إلى ضرورة استخلاص المتخلّد الجبائي والديواني بذمة الأفراد والمؤسسات، وتوفير الموارد البشرية والمادية للإدارة، وتمكينها من المزيد من الصلاحيات لمقاومة التهرب الضريبي.

كما دعا المجمع إلى استيعاب النشاط الاقتصادي غير المنظم وتوظيف الموارد المالية المتداولة في السوق الموازية، بما يؤمّن الموارد الكفيلة لإنعاش ميزانية الدولة ومواجهة التهريب ووضع التدابير اللازمة واعتماد الآليات الكفيلة بضمان التدخل الناجع في هذا المجال.

ودعا مجمع الوظيفة العمومية باتحاد الشغل الحكومة إلى التصدي لظاهرة الاحتكار بـفتح ملف مسالك التوزيع وتعزيز الموارد البشرية المختصة في المراقبة وتدعيمها والتحكم في الأسعار. وهو يرى أن هذه الإجراءات الجريئة هي الكفيلة بإنقاذ المالية العمومية، ووضع اللبنة الأولى في مسار تحقيق العدالة الجبائية، وتقاسم الأعباء والتضحيات بين مختلف فئات الشعب التونسي.

لكنْ للحكومة رأي آخر فهي تعتقد أن الأموال التي كانت ستوجه للزيادة في الأجور ستوجه للتنمية وخلق الثروة؛ يعني سيتم استثمارها. وهو ما قصده وزير الوظيفة العمومية والحوكمة عبيد البريكي حين بسط قرار التأجيل قائلا إن الحكومة تطلب من الأجراء أن يقرضوها.

الواقع الآن أنّ القراءات والتأويلات لاتفاق قرطاج الذي كان الاتحاد من الموقعين عليه، والذي كان الإطار الذي أنجب حكومة الشاهد قد اختلفت. فالحكومة كانت تعتقد أن هذا الإطار سيكون كافيا لجعل الاتحاد يقبل بالإجراءات المضمنة في قانون المالية وبالتصورات التي بنيت عليها ميزانية الدولة لسنة 2017 رغم ما فيها من ضغوط على الطبقة العاملة. أما الاتحاد فيرى أن الحكومة لم تلتزم باتفاق قرطاج الذي يتضمن مبدأ احترام الاتفاقيات والتعهدات الممضاة مع الحكومة السابقة في إطار استمرارية الدولة ومؤسساتها.

تبعا لذلك قررت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام في الوظيفة العمومية يوم 8 ديسمبر الجاري، ومبدأ الإضراب العام في القطاع الخاص. وتمّ إرسال برقيات الإضراب من قبل الأمين العام للاتحاد حسين العباسي إلى كل من رئيس الحكومة ووزير الداخلية ووزير الوظيفة العمومية والحوكمة.

في المقابل تمسك رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتأجيل الزيادة في أجور الوظيفة العمومية المضمن في ميزانية 2017 وعرض كما هو للمصادقة عليه بمجلس نواب الشعب. وكان تعامله مع قرار الاتحاد الإضراب العام في منتهى البرود وعلّق قائلا إن الإضراب حق دستوري. السؤال الآن ما هي دلالات هذا الصراع بين الحكومة واتحاد الشغل؟

هذا الصراع يدل على هشاشة الوضع في تونس، وعلى الارتجال والتسرع في المسائل المصيرية، وعلى غياب العمق في الحوارات، وعلى إفراغ الاتفاق والعهد والميثاق من مضامينها. وهذا ما يقود الشعب التونسي إلى فقدان الثقة تدريجيا في قياداته ومسؤولي دولته والمتصدين للشأن العام. وهذا ما قد يخلق أزمة نفسية اجتماعية تقود إلى حالة يأس شعبية قد تُفشل المحطات المصيرية القادمة كالمحطات الانتخابية المنتظرة.

فالحكومة عرضت قانونها للمالية ومشروع ميزانيتها لسنة 2017 بتسرع كبير وتعمدت اختصار النقاشات مع اتحاد الشغل وبقية شركائها وهي التي كان يمكن أن تجنبها هذا الصراع الخطير على الأمن الاجتماعي التونسي، وعولت على غلبة الكتل النيابية للتحالف الحاكم لتمرير مشروع القانون على علاته رغم إقرار حزبي نداء تونس والنهضة بأنه لم تقع استشارتهما أثناء إعداد الميزانية وقانون المالية.

تعرف الحكومة أن تأجيل صرف الزيادات والمنح في الوظيفة العمومية لن يوفر للدولة أكثر من 1.4 مليون دولار وهو رقم هزيل، فلماذا تعول عليه لا سيما أنه قد يكون مشكلا لا حلا إذ أن مقترح الحكومة التأجيل يعني تزامن الزيادة الحالية مع الزيادة المقررة للسنة المقبلة، مما قد يثقل كاهل الدولة ويجعلها عاجزة عن السداد فتضيع حقوق الشغالين والأجراء.

من جهة أخرى تزامنت مناقشة قانون المالية وميزانية 2017 في مجلس نواب الشعب مع انعقاد المنتدى الدولي للاستثمار “تونس 2020” بتونس، وتتجاوز الأرقام الصادرة عن هذا المنتدى في شكل وعود وهبات ومنح وقروض حجم ميزانية 2017 برمتها. وهو ما يعني إمكانية ضخّ أموال ضخمة للدولة التونسية.

فهل سيقود ذلك إلى تراجع الحكومة عن قرار تأجيل الزيادات في أجور الوظيفة العمومية وتجنيب تونس أزمة حادة لا أحد يمكن أن يتكهن بمآلاتها، لا سيما أنّ الإضراب العام المقرر ليوم 8 ديسمبر ليس إلا بداية لسلسلة من القرارات قد تصل إلى الإضراب المفتوح. وهذا قد يهدد الدولة برمتها إذ سيتوقف العمل والإنتاج بالكامل بما يقضي على موارد الدولة ويستنزف كل مقدراتها، أم أن الحكومة ستمضي في برنامجها القاضي بتأجيل الزيادة في الأجور وإضافة ما سيوفره هذا الإجراء إلى ما قد يدره منتدى الاستثمار للشروع في إنجاز الأشغال الكبرى والمشاريع التنموية العالقة؟

لكن الخوف كل الخوف ألا تكون الحكومة قد حسبت خطواتها جيدا حين تستعدي اتحاد الشغل والشغالين والموظفين، وفي الوقت نفسه تعول عليهم لتنفيذ برامج التنمية والمشاريع الاستثمارية. وهو ما قد يعد تناقضا إذ أنها قد لا تجد الحماس الكافي في الإدارة لتجويد الأداء من أجل تحسين الخدمات اللازمة للاستثمار.

هناك مغامرة محفوفة بالمخاطر تتخذها حكومة الشاهد وهي عارية الظهر من الدعم الحزبي، بالنظر إلى تلاشي حزب نداء تونس، وإلى التعاطي البراغماتي الغامض لحركة النهضة مع هذه الحكومة. فهل يمر شتاء تونس بسلام؟

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9