الحكومة الجزائرية تسابق الزمن لتمرير تعديلات على الدستور

مساع حثيثة تقوم بها السلطة الجزائرية من أجل إقناع الأحزاب السياسية الموالية لها بتزكية التعديل الدستوري المنتظر طرحه خلال شهر يناير القادم، في خطوة أخيرة لتثبيت أركان السلطة تحسبا لمرحلة ما بعد الرئيس بوتفليقة، مقابل معارضة يبدو أنها تخوض آخر معاركها قبل ابتلاع محيط “المرادية” للمرحلة المقبلة.
الثلاثاء 2015/12/29
لماذا الاستعجال.. لدينا الدهر كله

الجزائر - كشفت مصادر مقربة من قصر المرادية لـ”العرب”، أنه سيتم إطلاق الوثيقة الجديدة لدستور البلاد، خلال اجتماع مجلس الوزراء المنتظر خلال الأيام القليلة المقبلة، تحت إشراف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهو الاجتماع الذي سيكرس لملفي تعديل الدستور والمصادقة على قانون الموازنة العامة للعام القادم، وذلك تماشيا مع مقتضيات الدستور، التي تحتم توقيع رئيس الجمهورية على قانون الموازنة قبل انقضاء السنة الحالية، ما يعني أن انعقاد مجلس الوزراء سيكون قبل يوم الجمعة القادم.

وتعرف أجندة السلطة استحقاقات مكثفة نهاية هذا الشهر، ما يكون قد أربك برنامجها، وهي التي تسابق الزمن لتنفيذ خطوات المرحلة القادمة، حيث تزامن موعد انعقاد مجلس الوزراء لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) المقررة نهار اليوم الثلاثاء، مع تحضير مراسم جنازة المناضل التاريخي والمعارض السياسي حسين آيت أحمد، يوم الجمعة القادم في مسقط رأسه ببلدة عين الحمّام بمحافظة تيزي وزو (120 كلم شرقي العاصمة).

ومع الأوامر التي أبرقتها قيادات أحزاب الموالاة لنوابها في غرفتي البرلمان، من أجل تزكية التعديلات الدستورية حال تحديد موعدها في القريب العاجل، تتوجس السلطة مما يمكن أن تثيره الوثيقة من جدل سياسي في أوساط المعارضة، خاصة وأن التعديلات المنتظرة بحسب بعض التسريبات ستكون شكلية وسيتم الاكتفاء بالتزكية البرلمانية بدل الاستفتاء الشعبي.

وتكرست مخاوف السلطة من ارتدادات عرض قانون الموازنة العامة في البرلمان خلال الأسابيع الماضية، حيث شهدت جلسات النقاش مشادات كلامية وحتى جسدية عنيفة بين نواب الموالاة والمعارضة، واصطف لأول مرة نواب منشقون من أحزاب السلطة مع نواب المعارضة في صف واحد لمعارضة قانون الموازنة، الأمر الذي يرشح تكرار نفس السيناريو خلال عرض التعديلات الدستورية.

وتلف التعديلات المنتظرة العديد من الانتقادات، يأتي على رأسها الافتقاد للمصداقية اللازمة، فعلاوة على الاكتفاء بالتزكية البرلمانية دون الاستفتاء، فإن الشرعية المهزوزة أصلا للبرلمان الحالي بسبب تهم تزوير الانتخابات، وإمكانية رفضها من طرف نواب كتل المعارضة، يجعل الوثيقة تفتقد للشرعية والمصداقية، ولعامل التوافق بين فئات المجتمع، لا سيما وأن أحزاب وفعاليات كثيرة عارضت المشاورات السياسية التي التأمت على جولتين حول تعديل الدستور.

ويقول في هذا الشأن رئيس حزب جبهة الجزائر الجديدة جمال بن عبدالسلام، “تعديل الدستور حتمية يفرضها المرور إلى خيار سياسي، لكن ما لم يتضح إلى حد الآن أي خيارات تسلكها الجزائر لنعرف ما هي طبيعة الدستور الملائمة والمستوعبة لهذا الخيار”.

وأضاف “ما نتطلع إليه هو وضع دستور للدولة الجزائرية، دستور لا يتأثر بالظروف الآنية ولا بالتغيرات المرحلية، دستور يكرس دولة الحقوق والحريات والعدالة والكرامة، يرتكز على الثوابت الوطنية وقيم الشعب الجزائري، ويهدف إلى بناء نظام سياسي جمهوري ديمقراطي مدني ويسمح للجزائريين بأن يواصلوا مسعى بناء دولة قوية مستقرة، ولها مكانتها الإقليمية والدولية”.

وظل ملف تعديل الدستور أحد الاهتمامات التي جهر بها بوتفليقة منذ نزوله على قصر المرادية، حيث صرح في أكثر من خطاب بالحاجة إلى تعديل الدستور، إلا أن الملف ظل يرواح مكانه، رغم التعديلين الشكليين اللذين أدرجهما على دستور 1996، الأول العام 2005 لترقية الأمازيغية إلى لغة وطنية، والثاني عام 2008، من أجل فتح العهدات إلى ما لا نهاية بعدما كانت محصورة في عهدتين فقط.

وتوقع رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، أن يكون الدستور المنتظر “خاليا من أي توجه ديمقراطي”، رغم التطمينات التي تقدمها السلطة حول تضمين التعديلات ترقية لدور المعارضة وتعزيز صلاحيات المجالس المنتخبة في الرقابة على الأجهزة التنفيذية.

وقال بن فليس في تجمع لناشطي حزبه (طلائع الحريات) بمدينة عنابة “تعديل الدستور هو نتاج الهلع الذي أثارته الثورات العربية، وسط النظام السياسي القائم، والتعديل الدستوري لا يأتي في إطار أي توجه ديمقراطي جدي، بل هدفه الوحيد تحصين النظام السياسي ضد عدوى هذه الثورات العربية”.

وتساءل بن فليس حول الأهداف الأصلية للتعديل الدستوري، “هل مازالت هي نفسها بعد خمس سنوات، أم أنها بالعكس من ذلك، قد طالها التغيير خاصة بعد فشل ثورات عربية، الأمر الذي قد يشجعه على ذلك وعلى البقاء والدوام مهما كان الثمن”.

وطُرح تعديل الدستور بشكل جدي من طرف الرئيس بوتفليقة عام 2011، حيث أدرجه ضمن حزمة الإصلاحات السياسية التي أطلقها آنذاك، بعد اندلاع ما يعرف بأحداث “السكر والزيت”، وتفجر ثورات الربيع العربي، وتم تنظيم جولتي مشاورات شاركت فيها فعاليات الطبقة السياسية والشخصيات المستقلة، مع ممثلي السلطة عبدالقادر بن صالح في الأولى وأحمد أويحي في الثانية.

وأمام تردد السلطة في طبيعة التعديلات بين أن تكون عميقة تمس مفاصل الدولة، وبين أن تكون شكلية لتمرير المرحلة، وبين الاستفتاء الشعبي أو الاكتفاء بالعرض على البرلمان فقط، تعالت انتقادات المعارضة السياسية للمشروع، خاصة مع بروز مؤشرات توحي بتكييف التعديلات وفق توجهات داخل السلطة لاستمرار حكم بوتفليقة وتغول محيطه في إدارة شؤون البلاد بالنيابة عنه.

وقال بن فليس أمام ناشطي حزبه “ضعوا دستور أكبر ديمقراطية في العالم بين أيدي النظام الجزائري، وسترون كيف سيفقد هذا الدستور معناه، وقوته وتأثيره.. الدستور في الجزائر، لا يتعلق لا بالشكل ولا بالمضمون بل بالرجال الذين يحترمونه أو لا يحترمونه”.

4