الحكومة الجزائرية تسعى لإخضاع الصحافة الإلكترونية بعد نعيها للورقية

دعم المواقع الإخبارية "المحصنة والمؤمنة" وفق شروط السلطة.
الأربعاء 2021/03/31
الصحف الجزائرية تركت للمجهول

تركز الحكومة الجزائرية الاهتمام بقطاع الصحافة الإلكترونية، واتخذت جملة من الإجراءات لتوطينها وحصرها في الجزائر لوضعها تحت الرقابة ومحاصرة المواقع الإخبارية الجزائرية الموجودة خارج البلاد، وتتخلى في نفس الوقت عن الصحافة المطبوعة معلنة وفاتها بدلا من المساهمة في إنعاشها كما هو الحال في دول أخرى.

الجزائر - أعلن وزير الاتصال الناطق الرسمي للحكومة عمار بلحيمر أن “عهد الصحافة الورقية انتهى”، وأن الدولة تعطي أولوية للصحافة الإلكترونية التي هي مستقبل الصحافة، معلنا أن عدد المواقع الإلكترونية “المؤمنة والمحصنة” في الجزائر سيصل قبل الصيف المقبل إلى 100 موقع.

ويشير حديث بلحيمر إلى اتجاه الحكومة الجزائرية للتركيز على قطاع الصحافة الإلكترونية وتنظيمه والتعهد بدعم المواقع الإخبارية بالإعلانات الحكومية، لكن ضمن الشروط التي تحددها السلطة وهي مماثلة للشروط التي كبلت سابقا الصحف الورقية وجعلتها تحت عباءة الحكومة.

وقال بلحيمر الاثنين على هامش الجلسات الوطنية حول اقتصاد المعرفة، إنه تم تسجيل “45 موقعا إلكترونيا حاليا بالجزائر”، واعتبر أن هذا الرقم “لا يكفي”، داعيا الشباب عبر مختلف الولايات إلى “التجند” من أجل إنشاء مواقع إلكترونية “تغطي كل أنحاء الوطن من خلال صحافة مختصة”.ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن الوزير قوله إن “70 في المئة من الجزائريين يحصلون على الأخبار باستعمال الوسائل الإلكترونية”.

ويقصد الوزير بالمواقع “المؤمنة والمحصنة” هي التي جرى توطينها داخل الجزائر من الناحية المادية والجغرافية ومسجلة في نطاق “dz”، أي الحصول على النطاق يكون في الجزائر عن طريق الدولة (مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني)، وأن تكون كل الموارد من معدات وبرامج ويد عاملة وإبداع واستغلال بالجزائر.

ويجب أن يكون تسيير الموقع من الجزائر مع ضمان تسيير محتوى الموقع في ما يخص إضافة وتغيير وحذف المقالات الصحافية، والتسيير التقني المتمثل في الصيانة من تصميم وإضافة أقسام تحديثات الأمان وأرشفة السجلات (logs)، حسب ما نصّ عليه القانون الجديد الذي ينظم الصحافة الإلكترونية.

ويرى صحافيون أن سعي الحكومة المتزايد لتوطين المواقع الإخبارية يهدف إلى زيادة الرقابة عليها، ما يهدد حريتها وحتى وجودها بالنظر للتضييق الذي تعاني منه.

وتمثل المواقع الإخبارية الإلكترونية فضاء حرّا وهي تفلت من سيطرة السلطات فنيا واقتصاديا خصوصا تلك الموجودة خارج البلاد وأنشأها صحافيون جزائريون معارضون، فيما تتهمهم السلطات بتشويه صورة البلاد ومعاداة الجزائر، لكن من خلال التوطين وجدت الدولة طريقة لوضع اليد على المواقع الإلكترونية وشرعت في حجب المواقع الخارجية بشكل تام بحجة مخالفتها للقانون.

ومعظم المواقع موجودة حاليا في الخارج، لأسباب فنية تتعلق بإمكانية الوصول إليها بشكل أساسي، والالتزام بنقلها إلى الجزائر قد يؤدي إلى انتهاك بعض المبادئ مثل سرية المصادر.

70 في المئة من الجزائريين يحصلون على الأخبار باستعمال الوسائل الإلكترونية

وقال أيمن زغدودي المستشار القانوني لمنظمة “المادة 19” غير الحكومية المدافعة عن حرية التعبير إن “هذا الإجراء أداة للتدخل في المحتوى المنشور على المواقع الإلكترونية من خلال فرض رقابة على كل ما ينتقد السلطات”.

وبحسب بلحيمر فقد صدر “المرسوم التنفيذي المحدد لممارسة نشاط الإعلام عبر الإنترنت ونشر الرد أو التصحيح عبر المواقع الإلكترونية” في الثامن من ديسمبر 2020 في الجريدة الرسمية بهدف مكافحة “إساءة استخدام هذا النوع من الإعلام الحديث” الذي ينشر “إشاعات وأخبارا كاذبة ومقاطع فيديو مزورة”.

وانتقد العاملون في القطاع هذا النص الذي صوره الوزير على أنه درع ضد الهجمات التي تستهدف الجزائر وجيشها على شبكة الإنترنت. بينما يراه الصحافيون يمثل حظرا للصحافة الإلكترونية المستقلة.

ويمكن للعديد من وسائل الإعلام الإلكترونية أن ترفض أيضا الامتثال للقانون، لكن الحجب الذي قد تفرضه السلطات على الرغم من إمكانية التحايل عليه، له تأثير حتمي على انتشارها وجمهورها وبالتالي على مصداقية هذه المواقع الإخبارية.

ويبدو أن الحكومة تتخذ كل الوسائل والذرائع لإنهاء الصحف الورقية، وتسريع التحول الرقمي دون الاهتمام بالمحتوى، إذ قال بلحيمر إنه في “الفترة الممتدة بين 2010 و2018 تم تسجيل انخفاض في طباعة الجرائد على مستوى المطابع بنسبة 80 في المئة”، كما أن مخلفات جائحة كورونا “دفعت بالعديد من الصحف إلى عدم توزيع أعدادها التي تبقى في المطابع بعد السحب”.

لكن هذا الواقع طال الصحف في شتى أنحاء العالم، وبينما اتخذت حكومات أخرى إجراءات عاجلة لدعم الصحافة الورقية وانتشالها من الغرق والزوال مثل المغرب، إلا أن السلطات الجزائرية تتخذ نهجا مخالفا تماما بنعي الصحافة الورقية وتعجيل وفاتها، للالتفات إلى المواقع الإخبارية وتطويعها عبر الترغيب والترهيب.

ويقول مراقبون إن “إغراء الإعلانات جاهز لترغيبها بمهادنة السلطة، وسلاح الحظر تم تشريعه بنص قانوني”.

وأشار بلحيمر إلى أن القانون المتعلق بالإشهار (الإعلانات) سيصدر قبل نهاية السنة الجارية ويتضمن ضبط عملية توزيع الإشهار، لافتا إلى أن “الأولوية لمنح الإشهار ستعطى للصحافة الإلكترونية بكل شفافية وتنافسية”.

وأكد وزير الاتصال على ضرورة “أن تنظم المهنة نفسها بنفسها عن طريق الضبط الذاتي”.

وتشكل الرقابة تأثيرا رادعا على المعلنين المحتملين من الشركات الخاصة التي يهمها عدد زوار المواقع، فيما إعلانات الشركات الحكومية مُحتكرة من قبل الوكالة الوطنية للنشر والإشهار (مملوكة للدولة)، التي يمكن استخدامها بسهولة للضغط على وسائل الإعلام في البلاد.

18