الحكومة الجزائرية تسعى لتلطيف الأجواء الاجتماعية قبيل الانتخابات

يعيش الشارع الجزائري مؤخرا على وقع حالة من الاحتقان جراء السياسات التقشفية المنتهجة لمواجهة الأزمة الاقتصادية العاصفة بالبلاد، وهو ما يثير مخاوف السلطة من أن تنعكس هذه الأجواء على نسبة الإقبال على الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها مايو المقبل.
الجمعة 2017/03/03
إرضاؤهم ليس بالأمر الهين

الجزائر- تستعد أطراف “الثلاثية” في الجزائر (الحكومة وأرباب العمل واتحاد العمال) إلى عقد لقاء نهاية الأسبوع الجاري من أجل بحث الوضع الاجتماعي في البلاد، في ضوء تداعيات الأزمة الاقتصادية على الطبقات الهشة والبحث عن عقد اجتماعي يتيح للحكومة الاستمرار في تطبيق مخططها بعيدا عن التوترات وتحييده عن التوظيف السياسي في أجندة الانتخابات التشريعية المقررة مايو المقبل.

وأبدى القيادي في الاتحاد العام للعمال الجزائريين عمار تاقجوت، في تصريح لـ” العرب”، تحفظاته بشأن توصل الحكومة وأرباب العمل واتحاد العمال إلى ترسيم عقد اجتماعي يتيح للحكومة المرور لتطبيق برنامج النموذج الاقتصادي الجديد.

وقال “لحد الآن الطبقة العاملة هي التي تدفع فاتورة الأزمة لوحدها، بينما فلتت فئات أخرى من الإجراءات التقشفية، فالضرائب والرسوم الجديدة وتراجع القدرة الشرائية ألقت بكاهلها على العمال فقط، بينما استفاد رجال الأعمال والصناعيون من تحفيزات بدعوى النهوض بالاقتصاد المحلي”.

ويرى مختصون في الجزائر أن الحكومة بادرت لعقد اجتماع ثلاثي من أجل تلطيف الأجواء الاجتماعية والحد من الانتقادات السياسية، بغية تمرير الاستحقاق الانتخابي المقبل بمشاركة شعبية محترمة تكفل الشرعية والمصداقية لهذا الموعد السياسي.

وينتظر أن تجد أطراف “الثلاثية”، خلال الاجتماع المنتظر نهاية الأسبوع بمدينة عنابة الشرقية، صعوبات وتعقيدات كثيرة في ظل تضارب مصالح مكوناتها وإكراهات الأزمة الاقتصادية على الجبهة الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بمعالجة الارتفاع اللافت لنسبة التضخم التي بلغت ثمانية بالمائة وتدهور القدرة الشرائية لفئات عريضة من المجتمع.

ومازالت الشكوك السياسية والنقابية تحوم حول دور ونفوذ أكبر تنظيمات أرباب العمل (منتدى رؤساء المؤسسات)، المقرب من دوائر صناعة القرار في الجزائر في توجيه المخطط الحكومي الأخير، وحتى في ترسانة النصوص التشريعية، بما يخدم مصالحه وسطوته على الاستثمارات العمومية، خاصة في ظل الأحاديث عن زرع عيونه والموالين له في مختلف مؤسسات الدولة.

وتذكر مصادر مطلعة في هذا الشأن أن ثلث القروض البنكية المعلن عنها من طرف مدير البنك المركزي محمد لوكال تعود لشخص رجل الأعمال ورئيس منظمة منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، مما يطرح استفهامات جوهرية حول مصدر استقواء الرجل.

الطبقة العاملة تدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية، بينما استفاد رجال الأعمال من تحفيزات بدعوى النهوض بالاقتصاد المحلي

وكانت مدينة بجاية بمنطقة القبائل الأمازيغية قد عاشت مطلع العام الجاري حراكا احتجاجيا مناهضا لقانون الموازنة العامة والمخطط الحكومي التقشفي، تم احتواؤه سريعا من طرف السلطة بعد تحوله إلى أحداث عنف وتخريب، وذلك بذريعة الحفاظ على استقرار البلاد وتلافي السقوط في فخ المخططات الأجنبية والإقليمية لبث الفوضى.

وأمام ضغط الشارع وخريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني، التي تستوجب على الحكومة توفير ربع مليون وظيفة في السنة في الحالات العادية، فإن تفشي البطالة سيشكل خطرا حقيقيا لتفجير الوضع الاجتماعي وعائقا أمام الحكومة للمرور إلى تنفيذ مخططها الجديد للتحرر من التبعية للريع النفطي.

وتحيط بالاجتماع الثلاثي أجواء من الريبة والقلق، بسبب الانتقائية في حضور ممثلي الجبهة الاجتماعية، حيث يبقى اتحاد العمال الجزائريين الشريك الحصري للحكومة بالإضافة إلى منظمات أرباب العمل، مما يبقي باقي النقابات في حالة إقصاء ممنهج، رغم إثبات تمثيلها للطبقة الشغيلة كما هو الشأن بالنسبة إلى التكتل المستقل، الذي لديه منتسبون في الوظيفة العمومية في قطاعات التعليم والصحة والإدارة.. وغيرها.

ويعرف مسلسل الاحتجاجات في الجزائر توسعا في الآونة الأخيرة، بسبب ضغط التحولات الاقتصادية الجديدة وإملاءات التدابير التقشفية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية.

وفيما شن التكتل النقابي المستقل مسيرة احتجاجية الأسبوع الماضي في مدينة تيزي وزو، يستعد مجندو أفراد الدفاع الذاتي أثناء حقبة التسعينات لتنظيم وقفة احتجاجية بالعاصمة، بالموازاة مع عقد اجتماع “الثلاثية”.

وكان الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد أبدى مؤخرا انفتاحا على النقابات المستقلة، ولطف من خطابه تجاهها، بعد سنوات من الجفاء والتعنت بعدما اعتبرها أمينه العام عبدالمجيد سيدي سعيد “شركاء نشترك معهم في قواسم مشتركة تتعلق بمصلحة ومصير العمال الجزائريين”.

أثار التصريح شكوك نقابة التعليم الثانوي والتقني، أحد أطراف التكتل النقابي المستقل، بعد أن صرح أحد قيادييها “لا نتمنى أن تكون خطوة في اتجاه الغزل والإغراء من أجل تمرير مشروعات الحكومة كما دأب عليه الاتحاد العام للعمال للجزائريين، الذي تحول إلى مدافع عن الحكومة وليس عن العمال”.

ولا يزال قانون التقاعد الجديد الذي تتمسك به الحكومة مصدر القبضة الحديدية بينها وبين النقابات المستقلة، التي تطالب منذ عدة أشهر بإسقاطه، إلى جانب المشاركة في إعداد قانون العمل الجديد والحفاظ على القدرة الشرائية للفئات العمالية، لكنها اصطدمت في كل حلقة من حلقات الحراك بتصلب مواقف الحكومة.

وفي خطوة لمواجهة أعباء النفقات العمومية، باشرت الحكومة إجراء تحصيل ضريبة القسيمة على السيارات شهرين قبل موعدها الحقيقي.

كما تستعد لإطلاق استدانة داخلية دون فوائد من أجل تسديد فجوة النفقات الداخلية، الأمر الذي يعكس حجم التخبط الحكومي في استقطاب رؤوس أموال خارج العائدات النفطية.

4