الحكومة الجزائرية تصطدم بموجة احتجاجات عارمة

مضيفو الطيران والأساتذة وأئمة المساجد يخرجون إلى الشارع تنديدا بالوضع الاجتماعي المزري.
الخميس 2020/02/20
الشارع الجزائري يضغط مجددا

الجزائر – تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية بالجزائر، خلال الأسابيع الأخيرة، بشكل يزيد من متاعب السلطة في مواجهة الغضب المتنامي، جراء التداعيات المتراكمة لتردي الوضع الاقتصادي في البلاد، وللاضطرابات السياسية التي دخلت عامها الأول، دون أن يبرح الوضع مربع الصفر، فلا أمور السلطة استقرت ولا الهدوء عاد إلى الشارع.

ودخل أئمة مساجد وموظفون في وزارة الشؤون الدينية في حركة احتجاجية غير مسبوقة، حيث خرج العشرات، الأربعاء، في وقفة احتجاجية، أمام مبنى الاتحاد العام للعمال الجزائريين بالعاصمة. ثم تنظيم مسيرة تجاه مقر وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، مرددين عدة هتافات وشعارات أبرزها “حقوق مهضومة ووزارة ظلومة”.

وسبق للتنسيقية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف، أن نظمت عدة تحركات احتجاجية، تنديدا بما أسموه “الوضع الاجتماعي المزري”، وجاءت الحركة الاحتجاجية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية، في سلسلة من الاحتجاجات الاجتماعية التي تفجرت في العديد من القطاعات الحكومية، كمضيفي شركة الطيران المملوكة للدولة، وأساتذة التعليم الابتدائي، فضلا عن بعض القطاعات الاقتصادية الخاصة.

وتبقى الاحتجاجات الاجتماعية أحد الروافد الأساسية للحراك الشعبي المستمر منذ عام، وتشكل أحد الضغوط القوية على السلطة، في ظل عجزها عن الاستمرار في سياسة شراء السلم الاجتماعي، أمام تراجع الريع النفطي وتقلص مداخيل البلاد، وفشل الحكومات المتعاقبة في إرساء قواعد سياسة اقتصادية واجتماعية ناجعة.

وفضلا عن الأوضاع المهنية والاجتماعية، فإن بيان التنسيقية الذي لم يشر إلى هيمنة الوصاية على الخطاب الديني في المساجد، وتوجيهه لخدمة خط سياسي يدعم السلطة، قد طالب بحماية المعنيين من الاعتداءات التي باتت تلاحق الأئمة وألحقت الأذى يبعضهم بسبب خلافات حول الخطاب المذكور.

تقلص مداخيل خزينة الدولة، يحول دون الوفاء بالالتزامات التي أطلقتها السلطة تجاه مختلف القطاعات

وكان مضيفو شركة الطيران المملوكة للدولة، قد شنوا في بحر هذا الأسبوع إضرابا مفاجئا خلق حالة ارتباك كبيرة في حركة الطيران، قبل أن يتدخل القضاء الإداري، ويقضي بعدم شرعية الإضراب، ويجبر المحتجين على العودة إلى مواقع عملهم.

وتعرضت الوقفة الاحتجاجية التي نظمها أساتذة التعليم الابتدائي بوسط العاصمة إلى تعنيف وقمع من طرف قوات الأمن، الأمر الذي أعاد سيناريو تعاطي وزارة الداخلية مع احتجاجات الأطباء المقيمين خلال العام 2018، إلى الأذهان لمّا تعرض هؤلاء إلى تضييق وتعنيف شديدين، مما أثار حينها انتقادات قوية للسلطة، ويعتبر إلى الآن أحد أسباب انفجار الاحتجاجات السياسية في البلاد.

ومع ذلك، تجاهل مخطط عمل الحكومة الحائز على تزكية الغرفة الثانية للبرلمان الجزائري، البعد السياسي للأزمة التي تتخبط فيها البلاد، وأعطى الانطباع بأن الجهود ستنصب على التحديات الاقتصادية، وهو ما يصطدم بتفاقم حالة الغضب الاجتماعي، لاسيما في ظل الركود الاقتصادي وظهور بوادر أزمة معقدة، بدأت بإعلان إفلاس بعض الوحدات الاقتصادية وتسريح العمال، كما هو الشأن بالنسبة لمصنعي الصناعات الكهرومنزلية بتيزي وزو، ومصنع للتحويل الغذائي.

وتأتي الاحتجاجات الأخيرة في سياق توجيهات أسداها الرئيس عبدالمجيد تبون، للسلطات المركزية والمحلية، من أجل التكفل بالانشغالات والمشاكل اليومية للسكان، لكن تقلص مداخيل الخزينة العمومية، يحول دون الوفاء بالالتزامات التي أطلقتها السلطة تجاه مختلف القطاعات لاسيما المتصلة بتحسين الخدمات العمومية.

ولا زال الغموض يحوم حول توجهات السلطة الجديدة في البلاد، في التعاطي مع ارتدادات الجبهة الاجتماعية، ففيما تتبنى خطاب التهدئة عبر مخطط عمل طموح، لا زالت تمارس مختلف طقوس القمع والتضييق على حريات التظاهر والتعبير، عكس ما يردده رئيس البلاد الذي تعهد في أكثر من مناسبة بتخصيص جزء من التعديلات الدستورية المنتظرة لمسألة الحريات الفردية والجماعية.

ويرى خبراء مختصون أن التحديات الحقيقية التي تواجه النظام الجزائري، هي المعوقات الاقتصادية والاجتماعية القادمة، وأن الاحتجاجات السياسية في الأشهر الأخيرة تبقى معارضة ناعمة قياسا بسلميتها وعدم انجرارها للعنف، وأن العنف الأخطر هو الذي تحركه الحاجيات الفردية من مأكل ومشرب وخدمات وفقر.. وغيرها.

وسبق للخبير الاقتصادي ورئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور، أن حذر من “مغبة الإفراط في النمط السياسي والاقتصادي المنتهج لحد الآن، والبقاء رهائن للريع النفطي”، وتوقع أن “نفاد مخزون النقد الأجنبي في حدود العامين القادمين، سيضع البلاد على حافة المجهول”.

4