الحكومة الجزائرية في مواجهة تصعيد اجتماعي كبير

على مدى شهور كان المسؤولون الجزائريون يبثون دعاية مفادها خلو البلاد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ويروّجون إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي الضخمة ستحمي البلاد من انهيار أسعار النفط، لكن التململ الذي بدأ يظهر داخل المجتمع الجزائري كشف النقاب عن الوجه الحقيقي للوضع في البلاد.
الأحد 2015/08/23
هدوء نسبي في الجزائر قد تعصف به تهديدات النقابات بالتصعيد في الفترة المقبلة

الجزائر - يشكل الدخول الاجتماعي القادم في الجزائر، أبرز تحد يواجه حكومة الوزير الأول عبدالمالك سلال، ومن ورائه الدوائر النافذة في السلطة. فرغم تفكيكه للغم تدريس اللغة العامية في الأطوار التعليمية من محافظة قسنطينة، إلا أن تداعيات الأزمة النفطية تهدّد بضرب الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد. كما ينبئ الارتفاع المنتظر لأسعار المواد الاستهلاكية خلال الأسابيع القادمة بسبب انهيار قيمة الدينار بخروج عدة فئات اجتماعية وعمالية لشن جملة من الإضرابات والاحتجاجات مع بداية الدخول الاجتماعي.

لم تفلح التطمينات التي قدمها الوزير الأول عبدالمالك سلال، خلال زيارته الأخيرة لمحافظة قسنطينة، شرقي العاصمة، في احتواء الجدل المحتدم الذي أثاره مسؤولو وزارة التربية، بقرارهم الشروع في تدريس العامية للصفوف التعليمية الأولى بداية من هذا الموسم. وقابلتها فعاليات سياسية وأهلية بارتياح ممزوج بالحذر، فيما ألمح بعضها إلى أنها مناورة لامتصاص غضب الشارع لا غير.

ويرى مراقبون أن الحكومة تمكنت من توجيه اهتمامات الرأي العام إلى مسألة تدريس العامية في محاولة منها لإبعادهم عن الاهتمام بالشأن السياسي والاجتماعي لا سيما بعد انسداد الأفق السياسي، وعدم جدوى التغييرات المستمرة في هرم مختلف المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، في تحقيق الانتقال السلس للسلطة. إلى جانب التداعيات المنتظرة لانهيار العملة المحلية وتهاوي أسعار النفط الذي يعد المورد الرئيسي لمداخيل البلاد.

ورغم تأكيد سلال في تصريحاته بعدم تسييس المسألة اللغوية في الجزائر، وإخضاعها لحسابات المراجع الفكرية والأيديولوجية، وتركيزه على اعتبار اللغة العربية أحد أبرز مقومات الهوية الوطنية، فإن إصرار وزيرة التربية، فور عودتها من إجازتها السنوية، على عدم الاستقالة والاستمرار في إصلاح المنظومة التربوية، يبعث على القلق من جدوى تطمينات الوزير الأول.

ويعتبر عثمان سعدي، وهو أحد رموز الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر، أن المسألة تتعدى كونها عملية إصلاح وتصبّ في إطار فتح المجال لصعود اللغة الفرنسية والعامية على حساب اللغة العربية، مذكرا أن هناك العديد من المطالب المهنية والاجتماعية أكثر أهمية ما تزال عالقة وتحتاج للمعالجة.

الأزمة الحقيقية التي تواجهها الحكومة الجزائرية تكمن في تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية الأمر الذي ستكون له انعكاسات كارثية على مداخيل خزينة البلاد ذات الاقتصاد النفطي

وفي هذا الإطار هددت نقابتا “الأسلاك المشتركة” و”المصالح الاقتصادية” التابعتان للمؤسسات التعليمية، بشن إضراب مع بداية العام الدراسي المقرر في السادس من سبتمبر القادم، بسبب مماطلة الوزارة في الاستجابة للمطالب المهنية والاجتماعية لمنتسبيهما، والذين يقدرون بأكثر من 200 ألف موظف.

ولم تتوقف التهديدات بالإضراب عند نقابات التعليم، بل شملت فئات عريضة من مختلف القطاعات الأخرى التي تشتكي من عدم التزام الحكومة بقرار رفع أجورهم بموجب الاتفاق المبرم العام الماضي في إطار الثلاثية “الحكومة والنقابة المركزية وأرباب العمل”، بعد إلغاء ما يعرف بقانون 87 مكرر الذي وضعته حكومة أحمد أويحيى في التسعينات للحد من رفع سقف الأجور، وبقي ساريا لعقدين من الزمن. وذكر محمد الغازي وزير العمل والضمان الاجتماعي أن إلغاء قانون 87 مكرر سيمسّ مليوني عامل لم تكن أجورهم تصل سقف الحد الأدنى للأجور المقدر بـ180 أورو، وأنه بموجب قرار الإلغاء فإن المنح والعلاوات التي كانت تدرج في سلم أجورهم لتصل الحد الأدنى ستصبح عبارة عن زيادات.

لكن هذه الخطوة لقيت رفضا من شريحة واسعة من الجزائريين الذين اعتبروا أن القرار يعد تعديلا للقانون وليس إلغاء كما روّج لهم، واتهموا الحكومة بالتلاعب بأموالهم، وهددوا بعمليات تصعيدية إذا لم تتم مراجعة المسألة.

ومنذ بداية التراجع الكبير للدينار الجزائري أمام العملات الرئيسية بدأت حالة من القلق والغليان تتوسع داخل المجتمع الجزائري خوفا من الارتفاع المنتظر في أسعار المواد الاستهلاكية خاصة وأن البلاد تعتمد على الاستيراد بشكل كبير.

ويرى المطّلعون على الشأن الجزائري أن الأزمة الحقيقية التي تواجهها الحكومة تكمن في تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية التي ستكون لها انعكاسات كارثية على مداخيل خزينة البلاد، لا سيما وأن التقارير تؤكد تراجعها من 68 مليار دولار سنة 2014 إلى 34 مليار دولار في حدود شهر يوليو من السنة الجارية.

ويرى عبد العزيز رحابي، الوزير والديبلوماسي السابق والمعارض للحكومة، أن الأزمة الراهنة كانت منتظرة ومردها إصرار الحكومة على عدم خلق بدائل اقتصادية ناجعة والتخلص من تبعية النفط، التي زادت مقارنة بفترة التسعينات. وأضاف رحابي أن الأزمة تتعدى اعتبارات الأسعار والمداخيل، لتقف في حدود أزمة سوء التسيير وغياب التخطيط والتحالف مع موجة الفساد لا سيما وأن الجزائر غير قادرة على التحكم أو التأثير في سوق النفط.

ويحمّل مناوئون للرئيس بوتفليقة مسؤولية الوضع الحرج الذي يخيم على الجبهة الاجتماعية والمخاطر المحدقة بالبلاد، لمحيطه والمقربين منه وعلى وجه التحديد شقيقه الأصغر ومستشاره الخاص سعيد بوتفليقة؛ حيث اتهموهم باستغلال عجز الرئيس لإدارة شؤون البلاد من وراء الستار وصناعة لوبيات سياسية ومالية موالية من أجل الاستمرار في هرم السلطة.

وذهب حسن عريبي، النائب عن جبهة العدالة والتنمية، إلى حد اتهام هذه الجهات بالوقوف وراء التغييرات التي مسّت مسؤولين سامين على رأس بعض المؤسسات العسكرية والأمنية خلال الأسابيع الأخيرة بدعوى الخطأ والتقصير المهني. فيما لم يحاسب المسؤولون عن مقتل تسعة عسكريين على يد القاعدة في منطقة عين الدفلى، ولا أولئك الذين عرفت مؤسساتهم تمردا غير مسبوق كما حدث لجهاز الشرطة في أكتوبر 2014.

2