الحكومة السودانية تختبئ وراء الإعلام لتوجيه سهامها نحو السعودية

صحافيون مقربون من الرئيس السوداني عمر البشير يشنون حملة إعلامية ضد السعودية تزامنا مع أزمة مالية خانقة تعاني منها الحكومة السودانية.
السبت 2018/03/24
صحافة تحت مجهر الحكومة

الخرطوم - من المستبعد النظر إلى الحملة الإعلامية التي شنها صحافيون مقربون من الحكومة السودانية ضد السعودية، بمعزل عن إملاءات السلطة الحاكمة، في ظل الرقابة المشددة على الصحافة وسياسة مصادرة الصحف من المطابع فور طباعتها، عند أدنى انتقاد للحكومة أو من يسيرون في فلكها.

وتزامنت الهجمة الإعلامية السودانية على الرياض خلال الأيام الماضية، مع سخط حكومة الرئيس عمر البشير التي تعاني من أزمة مالية خانقة، وكانت تطمع سريعا في جني ثمار تبدل مواقفها باتجاه السعودية، بعد يأسها من التعاون مع إيران دون مقابل يستحق تحمل عناء هذا التعاون.

ويشير متابعون إلى عدم وجود أسباب مبررة لموجات النقد الإعلامية التي استهدفت الحكومة السعودية، وهي الأولى في السودان منذ سنوات، وكذلك من المرات النادرة التي تكون “بلاد الحرمين” محل انتقاد الصحافة السودانية.

 

وجه عدد من الصحافيين السودانيين المقربين من الحكومة سهامهم صوب السعودية، محملين بذرائع السلطة التي تطالب بثمن مواقفها السياسية تجاه قضايا المنطقة، فيما تظهر الأيادي القطرية التركية وراء الستار، مستغلة الموقف المتذبذب لدى الخرطوم.

ويرى هؤلاء أن المطامع الاقتصادية ظهرت واضحة وجلية في نبرة الصحافيين المنتقدين، إضافة إلى وجهة النظر الحكومية المتبدلة وفق مقتضيات المصلحة لا وفق المبادئ والقضايا الجوهرية للمنطقة.

ويشير إلى ذلك ما كتبه الوزير السابق، رئيس تحرير صحيفة مصادر عبدالماجد عبدالحميد “مثلما أعدنا صياغة طريقة تعاملنا الظرفي والاستراتيجي مع عدة دول من حولنا وبعيدا عنا، ومثلما أقدمنا على هذه الخطوة، وبشجاعة (التدخل السوداني في اليمن ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية)، نحتاج أن نعيد صياغة أسئلة تعاملنا الظرفي والاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية”.

أما رئيس تحرير صحيفة “السوداني” الخاصة، والمقربة من الحكومة، ضياء بلال، فكتب قائلاَ “يضاعف شعور السودانيين بالإحباط والغضب العاتب، أنّ بنوك الدولة الصديقة المملكة العربية السعودية لا تزال مُمتنعة عن إنجاز تحويلات السُّودانيين المُقيمين بها، بينما سبقتها في ذلك بنوك أميركية وأوروبية”.

ويعاني السودان من شح في النقد الأجنبي، منذ انفصال الجنوب عام 2011 وفقدان ثلاثة أرباع موارده النفطية، التي تمثل 80 بالمئة من موارد النقد الأجنبي و50 بالمئة من الإيرادات العامة للدولة.

كما شهدت ميزانية العام الحالي عجزا مقدرا يبلغ 28.4 مليار جنيه (4.11 مليار دولار)، تشكل 2.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

إلا أن الكاتب الصحافي محمد لطيف يرى أن “دوافع المملكة نحو مصر تختلف عن السودان، معتبرا أن السعودية ليس في رصيدها القدر من الثقة الذي يجعلها تُسهم في دعم الحكومة السُّودانية، بذات دعمها لحكومة السيسي في مصر، باعتبار أنها من ساهمت في وجودها، على خلاف حكومة البشير التي لا تتلقى دعما مماثلا لمصر”.

ويتجاهل الكاتب في مقارنته بين السودان ومصر، الدور الذي تقوم به القاهرة في محاربة الإرهاب والتكاليف الباهظة التي تدفعها في مقابل ذلك على كافة الأصعدة، بينما تحتاج الحكومة السودانية إلى تأكيد نواياها في إبعاد قيادات جماعات الإخوان عن أراضيها، بعد أن منحت لهم ملاذا آمنا لحياكة المخططات الإرهابية في المنطقة.

ومن جهته، اعتبر الكاتب الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الأحداث الإلكترونية، عادل الباز، أن “الطرح القائل إن السعودية لا تدعم السودان لأن البشير وحكومته إسلاميان، غير موفق، مستبعدا في الوقت نفسه أن تغير الخرطوم مواقفها الإسلامية لأجل أن تحظى بدعم سعودي”، لكن هذا التصريح يدين الحكومة السودانية ولا يعطيها صك البراءة، إذ يشير إلى ازدواجية المعايير لديها وعدم مصداقيتها في تنفيذ التزاماتها تجاه المنطقة، كما يناقض زملاءه الصحافيين الذين طالبوا بثمن لمواقف الخرطوم السياسية.

المطامع الاقتصادية ظهرت واضحة في نبرة الصحافيين المنتقدين، ومواقف الحكومة المتبدلة وفق المصلحة

ويرى مراقبون أن الحكومة السودانية عللت اندفاعها نحو السعودية، في العامين الماضيين، بغرض حماية الأراضي المقدسة من هجمات جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن، لا سيما بعد سيطرة الحوثيين، الذين يتلقون دعما إيرانيا، على أجزاء كبيرة من اليمن.

لكن ذلك لا ينفي مطامع الحكومة السودانية في تحصيل ثمن هذا الموقف، وبعد فشلها في تحقيق ما تصبو إليه، أعطت أوامرها لوسائل الإعلام بتصويب سهامها تجاه السعودية.

ويتحدث متابعون عن أياد قطرية وتركية وراء موقف الخرطوم، التي تبحث عن تحالفات اقتصادية وتتجه إلى من يدفع أكثر، وهو ما يتمثل في تركيا وقطر اللتين تسعيان إلى الاستفادة من المواقف المتذبذبة للسودان وعدم الالتزام بمواقف محددة.

وتتضح ملامح هذا الرأي في ما قاله الصحافي السوداني ماجد محمد علي، “الكتابات التي يتبناها صحافيون يمثلون قادة الرأي العام، ومقربون لدرجة كبيرة من الحكومة، وبينهم كتاب إسلاميون تبوأوا مناصب حكومية، تهدف إلى لفت انتباه حكام السعودية إلى التزامها تجاه الخرطوم، التي قطعت علاقاتها مع إيران لأجلها، وشاركتها حربها”.

ولا يستبعد علي “أن يكون هذا التصعيد معبرا عن رؤية مستقبلية تجاه السعودية وحلفائها، لا سيما أنها تتوجس من الإسلاميين الذين يحكمون السودان، ما يقود إلى انسحاب تدريجي للسودان من التحالف العربي والإسلامي، طالما أنه يجد منهم تجاهلا في أزمته”.

وكانت مصادر مطلعة اتهمت رئيس حزب الأمة الإخواني في السودان الصادق المهدي، بالتحريض ضد مشاركة السودان في تحالف دعم الشرعية في اليمن بعد اتفاقه مع السفير القطري في الخرطوم. وتشير التقارير الإخبارية إلى توجه الحكومة السودانية إلى إنشاء غرفة تصيغ فيها خططها وحملاتها الإعلامية بحسب السياسات الاقتصادية والمالية للبلاد، ما يوحي بنية الحكومة في صياغة سياسة ممنهجة لوسائل الإعلام تحت إشرافها المباشر، وينفي استقلالية الأقلام الصحافية التي تشن هجمتها على الدول الأخرى.

وذكرت وكالة السودان للأنباء أن غرفة تابعة لوزارة الإعلام بحثت “كيفية متابعة الأحداث التي تمر بالبلاد والحد منها خاصة إثارة الإشاعات”.

وشدد على أن بلاده لديها “إعلام حر والإعلام الإلكتروني أحد المنافذ التي لا توجد عليها رقابة قانونية ولكن السيطرة عليها تكون بالحقائق”.

ولفت إلى أن ما وصفه بـ”كتيبة وزارة الإعلام الإلكترونية”، سوف  تتحرك “بالحقائق المجردة”.

ويشار إلى أن الإعلام السوداني يعاني من رقابة خانقة وملاحقة من الأجهزة الأمنية التي تشن حملة ممنهجة على الصحافيين المستقلين، وتقوم بمصادرة الصحف بعد الطباعة إمعانا في تكبيدها خسائر مالية، عند أي تجاوز للخطوط الحمراء.

18