الحكومة السودانية تستنجد بالأمم المتحدة لتحييد دور الجيش

مؤشرات صدام بين السلطتين المدنية والعسكرية تهدد بانزلاق السودان إلى الفوضى مجددا.
الثلاثاء 2020/02/11
محاولة الاحتماء بالجناح الأممي

يبدو أن مفاجآت الحكومة السودانية لمجلس السيادة ستتوالى الفترة المقبلة، وتخرج الخلافات التي كان يتم احتواؤها سرا بين الجانبين إلى العلن. ويمكن اعتبار الجدل الذي أثارته دعوة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك لإنشاء بعثة أممية خاصة لدعم السلام في بلاده، فصلا من هذه الخلافات التي تشي بصعوبة استمرار معادلة السلطة الانتقالية على حالها الراهن.

القاهرة - قدّم رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك في 22 يناير الماضي طلبا إلى الأمم المتحدة للحصول على ولاية سياسية من مجلس الأمن، بموجب الفصل السادس الذي يجيز إرسال بعثة أممية تضم عناصر قوية لبناء السلام في السودان، في أقرب وقت.

تلجأ بعض الحكومات إلى هذه الوسيلة عندما تستشعر عجزا أو خطرا أو تتعرض لضغوط تجبرها على الانحراف عن الخط الذي تسلكه. وفي حالة السودان، مرت السلطة الانتقالية منذ تأسيسها في نهاية أغسطس الماضي بمطبات كثيرة. جرى وأد عدد كبير منها. وبدت رهانات البعض على فشل الوئام الظاهر بين الجسمين المدني والعسكري ضعيفة، بعد أن حدثت تفاهمات سياسية بينهما لم تكن متوقعة. واستطاعا تجاوز خلافات وتخطي عقبات مختلفة.

لكن، أخفقت السلطة الانتقالية في تحقيق جميع الأهداف المطلوبة خلال الستة أشهر الأولى، وأبرزها تحقيق السلام الشامل، وتشكيل المجلس التشريعي وتعيين رؤساء الولايات الجدد، ووضع حد للأزمة الاقتصادية المتدهورة، والقضاء على التهديدات التي تمثلها العناصر المحسوبة على نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير، ما ضاعف من القلق السياسي، وزاد الشعور بعدم الاطمئنان للاستقرار الأمني.

بدت الإخفاقات المتتالية على المستوى الداخلي لا تقل خطورة عن نظيرتها على المستوى الخارجي. ففي حالة السودان هناك درجة عالية من التكامل بين المستويين، لأن تحقيق نجاح في أحدهما يمهد الطريق للتقدم في الآخر، بحكم التشابكات والتعقيدات التي تتسم بها معظم القضايا، والتي لا تخلو من تقاطعات، تتأثر بما يدور حولها، ما يفرض على الخرطوم مراعاة هذا البعد في كل تحركاتها، حتى أصبح المكون الإقليمي جزءا أساسيا في مشكلات السودان.

وصلت الأوضاع إلى ما يشبه الانسداد في ظل استمرار الأزمات على حالها. فلم ترشح علامات تؤكد أن هناك ملفا من الملفات المعروضة على السلطة الانتقالية جرى إنجازه بسهولة، وانحصرت التكهنات في طبيعة التحديات، وبدأ كثيرون يشعرون بأن هناك فريقا عسكريا يتقدم على أصعدة عديدة، وفريقا مدنيا لم تظهر له كرامات إدارية توحي بقدرته على عبور المرحلة الراهنة في هدوء، والانتقال إلى مرحلة مستقرة، عمادها التأسيس لحكم مدني يتطلع له أبناء السودان، ويحظى بمباركة غالبية القوى الإقليمية والدولية.

مصير الحكم المدني

تنامي دور الجيش
تنامي دور الجيش

تحولت الهواجس العادية من هيمنة الجناح العسكري على الحكم، إلى هواجس عميقة حيال عدم التقيد بتوقيتات المرحلة الانتقالية التي وضعتها الوثيقة الدستورية وتفرض انتهاء رئاسة ممثل الجيش عبدالفتاح البرهان على رأس مجلس السيادة بعد عشرين شهرا فقط، ثم يتولى الجناح المدني دفة الرئاسة، فتزداد الأمور التنسيقية سهولة مع الحكومة.

مع تنامي دور الجيش واستمرار توغله في مؤسسات كثيرة بالدولة وتغليب التعامل عبر الشق الأمني على غيره من المجالات، تتجه الأوضاع إلى إيجاد واقع يدفع إلى عدم استبعاد مبارحة العسكريين للسلطة عموما. وهو ما يشكل تهديدا لبنود الوثيقة الدستورية، وما يترتب عنها من ترتيبات بشأن مستقبل الحكم المدني في السودان.

لم يلغ الهدوء الذي خيم على تحركات حمدوك، وتجاوزه عن تضخم دور الفريق أول عبدالفتاح البرهان، الحديث عن وجود أزمة بينهما. فقط كانت تنتظر موقفا كبيرا يفجرها. فكل المواقف الداخلية تظل صغيرة، وكان يتم التعامل معها بدبلوماسية عالية لتأكيد التوافق بين الرجلين، وعدم تصدير المشكلات للشارع الذي زاد استنفارا وتوترا. يبدو أن دعوة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للبرهان لزيارة واشنطن، ثم قيام الثاني بعقد لقاء مثير في عنتيبي بأوغندا مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في 3 فبراير الجاري، فجّرا بركانا من الخلافات، حيث ربط البرهان بين الزيارة والاجتماع، وبرر اللقاء المفاجئ بأنه كان شرطا لرفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، الذي يمثل مفتاحا لحل الكثير من الأزمات في السودان.

زادت الألغاز السياسية، عندما أكدت إفادة للبرهان أن حمدوك كان على علم باللقاء وقام بمباركته، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام، لأن بيانا للحكومة قال إنها لم تكن على علم.

يشير تاريخ تقديم حمدوك لطلبه إلى الأمم المتحدة (22 يناير) إلى اختمار فكرة صعوبة استمرار التفاهم، وأن الأيام المقبلة ستكون حبلى بتطورات حاسمة في علاقته مع رئيس مجلس السيادة، وأنه غير مرتاح للخط الذي تسير فيه السلطة حاليا، ما وضعه على هامشها، وهو الذي قبل بمنصبه كمنقذ للبلاد وممثل للحكم المدني وضامن له في المستقبل، فمن الممكن أن ينجرف السودان إلى فوضى جديدة، أو تصبح الأوضاع مهيأة لتكريس الحكم العسكري.

حاول حمدوك، في بيان له، الأحد، القذف بالكرة بعيدا عنه، عندما أشار إلى جملة من المخاطر التي تحيط بعملية الانتقال في بلاده، بشكل يستوجب تقديم المجتمع الدولي المساعدة في القضايا المطروحة والمستعجلة في إرساء الأساس لمسيرة السودان على طريق السلام. وتوفير الدعم التقني لوضع الدستور والإصلاح القانوني والقضائي، وتطوير الخدمة المدنية وقطاع الأمن.

مخاوف الإنقاذ الدولي

الأمم المتحدة تلعب دورا محوريا لإخراج السودان من أزمته
الأمم المتحدة تلعب دورا محوريا لإخراج السودان من أزمته

تؤكد هذه المعطيات أن الرجل بحث عن ضامنين ولم يجد تقريبا جهة مناسبة ليضع على كاهلها عبء المسؤولية سوى الأمم المتحدة، بكل ما تنطوي عليه من قوة مادية ورمزية معنوية، وربما استعدادا لتوسيع دورها في الدول المهيأة للانتقال الديمقراطي.

وقد عبّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في اللقاء السنوي الموجه للصحافيين المعتمدين لدى المنظمة الدولية قبل أيام، عن ارتفاع نسبة عدم الاستقرار وتغييرات الجغرافيا السياسية التي أدت إلى “رياح الجنون”، قائلا “في هذه السنة سأضغط لتفكيك الدوائر المفرغة من المعاناة والصراعات وأدفع بقوة للانطلاق بدبلوماسية السلام”.

وكشفت تصريحات غوتيريش، على هامش اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، أنه منحاز للسودان ولن يكون بعيدا عنه. ويدرك صعوبة وتعقيد الأوضاع في المرحلة الانتقالية. ويؤيد شطب اسمه من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وتعهد بمناقشة القضية مع المسؤولين في الولايات المتحدة لإيجاد حل قريب. وهو ما يعزز الدور الذي تلعبه المنظمة الدولية في السودان خلال الفترة المقبلة.

إذا لم تستطع المنظمة الأممية الوفاء بدورها في إنقاذ السودان، فعلى الأقل يكون حمدوك أخلى مسؤوليته السياسية والأخلاقية أمام المواطنين. ولم يتسبب في فتنة بين الجناح العسكري ويمثله الجيش الذي يكابد لتنظيف صفوفه من الفلول وإعادة هيكلة وحداته، وبين الجناح المدني، ويمثله تحالف قوى الحرية والتغيير الذي بدأت الكثير من مكوناته تشعر بالخطر، وتخشى أن تؤدي التطورات المتلاحقة إلى ارتدادات سلبية تعوق استكمال المرحلة الانتقالية.

حمدوك يتصور أن التدخل الأممي كفيل بتحجيم دور المؤسسة العسكرية، وتجاوز التحديات المتراكمة على الطريق

تضمن الطلب للأمم المتحدة، المساعدة في إنهاء الصراعات ونزع السلاح وتسريح وإعادة دمج المقاتلين وحماية المدنيين من الفصائل المتقاتلة، ودعم عمليات بناء الأمة وإعادة بناء هياكل الحكم والقطاع الأمني، وإجراءات بناء الثقة والمشاركة في السلطة ودعم الانتخابات.

تصور حمدوك أن هذه الخطوة وما تنطوي عليه من تدخل أممي كبير كفيلة بتحجيم دور المؤسسة العسكرية، وتجاوز التحديات المرصوصة على الطريق، وضمان الانتقال السلس للسلطة، غير أنه تجاهل إمكانية أن تفتح الباب لاحتمالات قاتمة. فلا يزال السودان موضوعا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة وفرض العقوبات السياسية والاقتصادية ضد البلد المعني ومن يهددون الأمن والسلم.

من هنا تأتي الخطورة، فقد يتطور الأمر إلى حد إنفاذ هذا الفصل الذي لا يتطلب الإذن من السلطة الانتقالية، ويتم بالتشاور مع أعضاء مجلس الأمن. ويبدو أن هدف امتلاك أداة قوية من أدوات الردع السياسي إذا فكر الجناح العسكري في السيطرة على السلطة، أو التنصل من الوفاء بالاستحقاقات التي حوتها الوثيقة الدستورية، قد ينحرف إلى فضاء آخر أشد صعوبة.

7